728 x 90

أي دور للتربية الموسيقية في التنمية البشرية؟ محمد الصيفي

أي دور للتربية الموسيقية في التنمية البشرية؟ محمد الصيفي

الملخص

يتجلى الجانب التربوي في الموسيقى في كونها “تقود إلى الفضيلة” كما أشار أفلاطون، ونصح هذا الفيلسوف المربي بالتعليم الموسيقي لأنه عنصر أساسي في تربية النشء. وبيّن الفارابي أن الموسيقى تزيد المستمع حكمة وتنويرا. أما هيگل فوجد أن الموسيقى وسيلة “لتهذيب النفس وتحصيل الفضائل”، وتساعد على تهدئة المشاعر العنيفة وتلطيف الأخلاق. تلكم هي نظرة هؤلاء الفلاسفة وغيرهم من المفكرين، حول الموسيقى وأثرها على تربية وسلوك الفرد. فهل فعلا هي كذلك في يومنا هذا؟ وعن أي موسيقى يتحدثون؟ وهل بإمكان الموسيقى أن تكون أداة للتربية ووسيلة فعالة للتنمية البشرية في القرن الحادي والعشرين؟

تحاول هذه الورقة البحثية أن تبرز مدى قدرة التربية الموسيقية على المساهمة الفعالة في التنمية البشرية – في زمن قد يبدو من المستحيل تحقيق ذلك-، من خلال مقاربة هذه المادة التربوية الفنية، ثم إبراز جوانبها الفعالة وأثرها على التعلّم والتحصيل الدراسي، وذلك بالرجوع للدراسات الحديثة في التربية الموسيقية، وأخرى اعتمدت في كثيرها على التكنولوجيات الحديثة، كعلوم الأعصاب والبيولوجيا العصبية.

الكلمات المفتاحية: التربية الموسيقية، التربية الجمالية، التنمية البشرية، التّعلم.

تقديم

ارتبطت التربية/التعليم عند الإمام الغزالي (2018) بالأخلاق، فهو يرى أنها تهذّب النّفس من كل ما هو مذموم وترشدها إلى كل ما هو محمود، أي أنها سيرورة يتم بها محو ما التصق بالنفس من سلوكيات فاسدة ذميمة، وتوجيهها إلى السلوك السويّ وما يعود عليها بالنفع. ويربط إيمانويل كانت Kant موضوع الجمال بموضوع الأخلاق، فمن يهتم بالجمال الطبيعي، يهتدي إلى تربية أخلاقية، والجوهري لفكرة الجمال، بالنسبة لهيگل Hegel، هو موضوع حسي، لكن يُدرك بالعقل، وهو ما يتجلى في الفنون (جيدوري، 2010).

لقد أشار أفلاطون أن تربية الجسد إنما تكون بالرياضة، أما تربية العقل وتغذية الروح فتكون بالموسيقى، وفي بحوثه عن تأثير الموسيقى في التربية وجد هذا الفيلسوف المربي أن «هذا الفن هو أحد وسائل دعم الفضيلة والأخلاق، فالموسيقى تؤثر في مشاعر الإنسان وفي حياته الباطنية، حيث تأثير الإيقاع واللحن في هذا الفن، أقوى من تأثير العمارة والتصوير[الرسم] أو النحت، على روح الإنسان وحياته الانفعالية» (شحاته، 2006، ص.227).

وحديثا ثمة تربية جعلت من الموسيقى مادة لها، ومن خلالها يمكن أن تساعد في تنمية كفايات المتعلمين، وصقل قدراتهم الحسية والحسحركية، والوجدانية. لكن، ما هي المادة الموسيقية -الأعمال الموسقية- التي تصلح فعلا للتربية؟ وكيف يمكن للتربية الموسيقية أن تساهم في التنمية البشرية؟

الموسيقى بين “الاستهلاكي” والتربوي

ما يبدو للمراهقين والشباب، هو أن الأغنية تترجم أحاسيسهم ومشاكلهم، و«ما يهمهم في هذه الأغنية ليس فقط الإيقاع واللحن الموسيقي، لكن أيضا الكلمات ومشاكل الغرام، كموضوع كوني بالأساس» (Eco, 1965, p.29). ونظرا لميلهم إلى الحركة والصراخ، تنكب نسبة مهمة من الأطفال، وخاصة المراهقين، على استهلاك أنواع من الموسيقى الصاخبة والضجّاجة، ذات الإيقاع الكثيف والسريع أو التي تتميز بمواضيع المغامرة والحب والجنس والمخدرات والتحرر وخاصة في المجتمعات الغربية. وبما أن العالم أصبح في قبضة اليد، فالثقافة الغربية في كل مكان وبشكل متزامنٍ وزمنِ صناعتها، ويتأتى ذلك بفضل التكنولوجيات الرقمية التي أضحت في متناول الجميع.

تشير دراسة إحصائية فرنسية حديثة لهانكارت Hannecart وكروسون Crusson وفوراج Fourrage (2015) إلى أن اختيارات المراهقين الموسيقية تتمحور حول الموسيقى الصاخبة كالهيپهوپ Hip-hop، والپوپ وآراندبي R&B، واهتمامهم بالموسيقى العالمة savante نادر. وبينت إحصائيا أن 81% منهم يستمعون للموسيقى لأزيد من ساعة في اليوم، وكلما زاد سنهم (من 12 إلى 19 سنة) زادت هذه المدة، وأن أكثر من ثلث العينة التي تفوق 2000 مراهق، لا يعيرون اهتماما بالموسيقى الحية (حفلات، عروض مباشرة).

أما فيما يخص العالم العربي، فالمراهقون والشباب يستهلكون اليوم أصنافا كثيرة من الأعمال الموسيقية سواء بنغمة شرقية أو غربية على حد السواء. ونجد أن الموسيقى الشرقية التي تستهويهم هي شكل قريب من الموسيقى الغربية من حيث القالب الموسيقي وحتى المواضيع. لأن الموسيقى الشرقية العربية الأصيلة وحتى المحلية (المغربية) لم تتطور، وبالتالي لن تجد لها مكانا في قلوب المراهقين الذين يبحثون عن أنفسهم في الآخر/الغرب.

وعلى العموم، يحب المراهق أن يكون له عالما خاصا به، وموسيقى تميزه لا يتذوقها الراشدون، «فالهيفي ميتال Heavy Metal والراﭗ Rap [والروك والهارد روك وموسيقى الپوپ عامة] مصممة لتُداع بصوت عال. إنها موسيقى يكرهها جميع الآباء، وتعبر من خلال ضرباتها العدوانية وارتفاع صوتها والمواضيع التي تطرحها، عن مشاعر القلق والإحباط لدى المراهقين» (إلكايند، 2004، ص.202).

لذلك، كل هذه الإحساسات التي يشعر بها الطفل، وهذه التمثّلات التي تجول في مخيلته، والخجل والنقص الذي يحس به، نابع من الوسط الذي عاش فيه، ويجب أن يُقابلها تأطير تربوي. وكما يشير سوزوكي، صاحب الطريقة البيداغوجية الموسيقية التي تحمل اسمه، فالبيئة المحيطة بالطفل تؤثر بشكل كبير على حسه الموسيقي وذوقه فيما بعد، فإذا كان هذا المحيط يمنحه الموسيقى الرفيعة فلن يتذوق إلا الموسيقى الراقية -العالمة-، وإن كان عكس ذلك، أسرته لا تهتم بالفن وتعيش ضمن ظروف محيطة مشوهة موسيقيا، وليس هناك تمييز بين الجيد والرديء من الأعمال الموسيقية عندهم، فسينشأ هذا الطفل ضعيفا ومفتقرا إلى الحس الموسيقي المرهف ولن يكون لديه استعداد فطري ليكون اختياره الموسيقي صائبا (نابوتي، 1997، ص.19).

التربية الموسيقية ودورها الفعال في التنمية البشرية

تحديد مصطلح “التربية الموسيقية”

تشير الباحثة في بيداغوجيا التكوين الموسيقي مادلين زولاوف (2006) Zulauf والباحث في التربية الموسيقية بوشار-ڤالُنتين (2007) Bouchard-Valentine أن ثمة أشكال من التربية الموسيقية: تربية موسيقية رسمية، وتربية موسيقية غير رسمية، وتربية موسيقية مستقلة غير نظامية.

– التربية الموسيقية الرسمية formelle تختص بها المؤسسات الرسمية المرتبطة بالنظام التربوي المدرسي أو في المعاهد الموسيقية أو المدارس المختصة بالتعليم الموسيقي، وتتوج بشهادات.

– تربية موسيقية غير رسمية non formelle ترعاها المؤسسات غير التابعة للدولة ONG أو المؤسسات الحرة غير التابعة لنظام رسمي، أو المخيمات الموسيقية ومراكز الخدمات الترفيهية التابعة للجماعات، أو مراكز الفنون، وغيرها من المراكز السوسيو- ثقافية.

– تربية موسيقية مستقلة غير- نظامية  informelle، وهي لا ترتبط بأي نظام ولا أي مؤسسة أو بنية معينة، ومنها التعلم الذاتي l’apprentissage autodidacte عن طريق الأصدقاء أو الأقارب، ومختلف الطرق الأخرى للتعلم بواسطة وسائل الإعلام والتواصل، أو من خلال حضور الحفلات الموسيقية، وغيرها من الطرق الحرة.

ويختلف التعليم الموسيقي عن التربية الموسيقية المدرسية. فالأول يرتكز على التكوين الموسيقي الذي يضم النظريات الموسيقية والتخصص في العزف على آلة موسيقية معينة و/أو إتقان الغناء، أما التربية الموسيقية فهي إما في إطار مدرسي بهدف تربوي غير تخصصي، وإما أن يكون لها طابع شامل فتضم التعليم الموسيقي والتربية الموسيقية المدرسية وكل ما يتعلق بتعلم الموسيقى وعلومها في الأوساط النظامية، وحتى غير النظامية.

التربية الموسيقية وتربية السمع

تولي التربية الموسيقية اهتماما كبيرا بتربية السّمع l’éducation auditive، فامتلاك سمع قوي يحتاج إلى جهد كبير وطرق فعالة، ومدة طويلة للقيام بذلك، عن طريق تمارين الاستماع والتحليل، والإملاء الموسيقي، والممارسة الغنائية والآلية (Gillie-Guilbert et Fritsch, 1995, p.82-83). ويُعتمد في تمارين وأنشطة الغناء على السمع بشكل مطلق، لأنه لا يمكن أداء الأعمال الغنائية بدون أذُن سليمة ومدربة قادرة على تصحيح ارتفاع الأصوات وانخفاضها على السلم الموسيقي La justesse (Roucourt, 1821, p.54). وسواء تعلق الأمر بالتنغيم الصولفائي[1] l’intonation أو أداء الأعمال الغنائية، فأذُن المتعلم تبقى هي الحَكَمُ الرئيس لتقويم كل صوت يُنتِجه أو يَتغنى به (Tsang, et al., 2011).

وضمن البحوث المتداخلة التخصصات interdisciplinaires، التي تربط بين التعليم الموسيقي والتعليم المدرسي العام، بينت دراسة من جامعة ماك ماستر الكندية أن التربية الموسيقية «تعمل على تنمية القدرات السمعية التي تُوظَّف في تعلم القراءة»، وبإمكانها أيضا أن ترفع مستوى الفهم واستيعاب المقروء (Corrigall & Trainor, 2011, p.147).

إن خلال التحدث والتعبير الصوتي vocal، من الضروري أن يتدخل الإدراك السمعي الذاتي Proprioception Auditive للأصوات المنطوقة بصورة مباشرة، وذلك لمعالجة وإعادة تشكيل جهاز النطق من خلال مراقبته وضبطه. وفي مجال الغناء، يعمل هذا الإدراك السمعي الذاتي – الذي يكون في أعلى مستوياته – على ضبط دقيق لعضلات الحنجرة لتسوية ارتفاع الصوت وتغيير نغمته الصوتية أو تجويده، وبدون تغذية سمعية راجعة auditory feedback لا يمكن للشخص المؤدي، خاصة في نشاط الغناء، أن يتّسم أداؤه بالإتقان (Lévêque, Tillmann et Schön, 2016, ؛ Erdemir & Rieser, 2016).

التربية الموسيقية وتربية الصوت

يشير ابن الطحان (1971) في كتابه “حاوي الفنون وسلوة المحزون” إلى الصوت البشري وآلية اشتغاله في الغناء بشكل دقيق، وهو ما كشفته الأبحاث الحديثة بمساعدة المنظار الإلكتروني والمعدات التكنولوجية المتطورة، فأضحت المعاينة والتشخيص يسيرا، ووصف الأعضاء الصوتية والنطقية مضبوطا، وتم استدراك بعض النّقائص. ولم تختلف الأبحاث القديمة عن الأبحاث الحديثة في تحديد جهاز الصوت عند الإنسان، فهو يحتوي على ثلاث مكونات أساسية هي: جهاز النّفَس la soufflerie، وموضع الاهتزاز le vibrateur، ومضخّمات الصوت أو الجيوب الرّنّانة les résonateurs (Le Huche et Allali, 2010, p.13). وهذه المكونات هي ما يمثّل العناصر الأساسية لإصدار الصوت حتى في الأجسام الأخرى والآلات الموسيقية على الخصوص.

وتتجلى قوة نشاط الغناء، الذي يعتبر المكون الرئيس في مادة التربية الموسيقية، في تنمية الوعي بالجهاز الصوتي وعمله، حيث يعمد المدرس الخاص بهذه المادة على تنبيه المتعلمين لأهمية الوِضْعة la posture، وطريقة التنفس وضبط جريان الهواء، بالتحكم في الحجاب الحاجز le diaphragme، وكذا تحسين النطق، وإتقان مخارج الحروف.

ويعتبر مكون الإيقاع في الغناء، أداة ناجعة للوعي بمخارج الحروف والمقاطع في الكلمات. «فكما أن التعامل مع الإيقاع [الموسيقي/الشعري] يقتضي ضمنيا عمليات التمييز والمقارنة والتصنيف، بإمكانه تنمية ضبط القوافيles rimes ، والمقاطع وكذا الفونيمات» (Bolduc et Rondeau, 2015, p.16). في العمل الغنائي تُجزأ الكلمات إلى مقاطع، فيرتبط كل واحد منها بصوت موسيقي، أو في غالب الأحيان، بعدة أصوات إذا كان بَعده حرف مد (مثال: أنظر مدونة 1)، وهذا التقطيع يمكّن المتعلم من اكتساب آلية القراءة، عن طريق تركيب هذه المقاطع ودمجها لتكوين الكلمات في مستوى أولي، ومن التحدث بوضوح في مستويات متقدمة.

مدونة 1. إيقاعية كلمات العمل الغنائي “أعطني الناي”

أما بالنسبة للّحن الموسيقي la mélodie كمكون ثان في العمل الغنائي فيرتبط بالكلمات ارتباطا وثيقا، حيث يُراعى اندماج الجمل الكلامية الشعرية بالجمل الموسيقية. فاللحن متمم ومقرّبٌ للمعنى، وقد يكشف للمستمع عما يقصده المتحدث في الكلام العادي (سؤال، تعجب، استفهام …جملة استفهامية/جملة جوابية -مدونة 2-)، وقد أسهب الفارابي وابن سينا في هذا الباب (ابن عبد الجليل، 2013، ص.71-75)، وفي العمل الغنائي لا بد للنغم أن يساير المعنى، تماشيا مع قواعد التلحين.

جملة صاعدة

مدونة 2. نموذج لسؤال لحني وجوابه [2]

التربية الموسيقية والتواصل الفعال

خلال أداء الأعمال الغنائية أو في أثناء التمرن على ذلك، يتلقى المتعلم مجموعة من الضوابط الخاصة بكيفية إصدار الأصوات الموسيقية مُرفقة بالكلمات. وحتى يكون الأداء مقبولا، لا بد من التقيد ببعض التقنيات الخاصة بالغناء، وعلى رأسها (1) التنغيم l’intonation: الرصيد من الأنغام، وإتقان استعمال مختلف الصيغ التّنغيمية، التي تساعد على التفاعل والتعبير الملائم في السياق والمقام المناسبين. (2) الوِضْعَة posture: أي حالة الجسد، ولها تأثير كبير على التحكم في تدفق الهواء وقوة الصوت، وبالتالي إتمام الجمل وصفاء النطق ومخارج الحروف. ولها أثر بالغ على هيئة المتكلم ونوعية الرسالة التي يودّ إيصالها، فهي تعكس انفعالاته وحالته النفسية (Knapp et al., 2014, p.12). (3) تعابير الوجه Facial expressions: تربِط معظم الدراسات تعابير الوجه بالحالة الانفعالية للشخص وبأحاسيسه، كالغضب، الحزن، الدهشة، السعادة، الخوف والاشمئزاز. ويمكن أن تعمل تعابير الوجه على تنظيم الإيماءات والتفاعلات، وتوفير تغدية راجعة للطرفين في حالة التواصل. «ويعتقد بعض الباحثين أن الوظيفة الأساسية للوجه هي التواصل، وليس ترجمة المشاعر» (نفسه، ص.13).

تتمثل مهمة التربية الموسيقية أيضا، في مَنح مُمارِسَها احترام الذات، وتُعزّزُ لديه الثقة بالنفس، وتشعره بالارتياح، وهو ما يُشْحذ هِمّته ويرفع روح التّحدي والعطاء عنده، وبالتالي القدرة على مواجهة الآخر بدون تشنّج ولا توتّر ولا فقدانٍ للتركيز. فحينما يقوم المتعلم بأداء عمل غنائي بمفرده أمام زملائه، أو أمام حشد من المستمعين، تتعزز ثقته بنفسه، ويتواصل مع الآخرين بشكل سليم. وقد أثبتت بعض التجارب العملية أن من يؤدي أعمالا موسيقية/غنائية أمام زملائه أو أمام الجمهور، تتعزز ثقته بنفسه، ويتمتع بقدرة كافية للتغلب على الخجل والرُّهاب le trac (Hallam, 2015, p.95-98).

الموسيقى وأثرها على عمل الذاكرة

كشفت أبحاث علوم البيولوجيا العصبية neurobiologie، أن «الانفعالات الإيجابية تلعب دورا أساسيا لتنشيط السيرورات المعرفية التي تساعد على الحفظ الثابت والمستديم للمعلومات». وأشارت مجموعة من الدراسات في علوم الأعصاب، أن حفظ المعلومات la mémorisation يفتُر وقد يتوقف تماما حينما يكون المتعلم في حالة انفعال سلبي (خوف، قلق، توتر)، ما ينعكس سلبا على بناء تعلّماته. وهذا راجع لكبح مادة النورَندرينالين norandrénaline، التي تعتبر موصلا عصبيا يحفز الحفظ على مستوى الذاكرة (Caon, 2006, p.19-20). في المقابل، بينت بعض الدراسات في نفس مجال التخصص، أن «الاستماع لعمل موسيقي يستحسنه المتلقي/المستمع، يُنشّط إفراز مادة الدوپامين dopamine على مستوى الدماغ، مما يُسهّل عملية الحفظ في الذاكرة» (Belleau, 2015, p.94).

وفي كتابه “نزعة إلى الموسيقى”، أشار أولِفر ساكس (2010) طبيب الأعصاب، إلى أن من بين نزلاء المشفى من فقد كل ذكرياته أو جلها، لكنه لا يزال يتذكر، وبشكل مثير، الأنغام والأعمال الموسيقية التي كان يمارسها إما عزفا أو قيادة أو حتى سمعا.

إن ممارسة الموسيقى تقوي الذاكرة وتحسّن أدائها. وهذا ما بيّنته مجموعة من الدراسات والتجارب التي كانت عبارة عن مقارنة لمجموعتين من المتعلمين، بحيث كان المتغير المستقل هو الاستفادة من ممارسة موسيقية. ووجد الباحثون، في التجارب جميعِها، أن الممارسين للموسيقى يحصلون دائما على نتائج أحسن فيما يخص تذكر الألفاظ على المدى القصير والمتوسط. وكشفت دراسة أخرى حديثة لفرنكلاين وزملاؤه Franklein، أن للذاكرة اللفظية البعيدة المدى للموسيقيين قدرة عالية مقارنة مع غير الموسيقيين، وذلك راجع لآليات التمرّن التي تمتاز بها طريقتهم في ضبط الأعمال الموسيقية قبل اجتياز المباريات أو العروض الموسيقية (Trainor & Corigall, 2010). بالإضافة لذلك، بإمكان الفرد تذكر الكلمات بسهولة عندما يكرر غناءها، لارتباطها بإيقاع نغمي يكون بمثابة محفز لاسترجاعها من الذاكرة (Leo, et al., 2019).

وهذا ما يبين إجمالا، أن ممارسة الموسيقى في وسط تعليمي-تربوي-، يطور الذاكرة، وخاصة الذاكرة اللفظية، الشيء الذي سيساعد على تنمية رصيد لغوي مهم للمتعلم.

التربية الموسيقية تحد من ظاهرة العنف في الوسط المدرسي

تتداخل عدة عوامل تساهم في خلق العنف داخل المدرسة، ومن بينها سلوك المدرس وكثافة البرامج الدراسية وصعوبتها، وكذا فشل المتعلم في علاقاته المدرسية (العقون، 2017)، وثمة عوامل أخرى تتعلق أساسا بالفوارق الاجتماعية، وأيضا العنف داخل البيت. وباختيار الممارسات الموسيقية التربوية، من قبيل العزف الآلي أو الغناء الجماعي المنظم، يمكن من تنمية أواصل المحبة والإخاء والتعاون بين المتعلمين داخل المدرسة. لأن اجتماعهم في جو موسيقي ممتع، وتضافر جهودهم لإنجاح مشروع عرضٍ موسيقي أمام زملائهم، يحفزهم للعمل والإبداع في جو يسوده التكافل والتكامل.

وتجعل التربية الموسيقية من المتعلم/الطفل شخصا هادئا ومتذوقا للجمال، متوازن الشخصية ومقبلا على الحياة، من خلال الاستماع الأعمال الموسيقية التربوية أو ممارسة نشاط موسيقي معين سواء كان عزفا أو غناءً. فالموسيقى من بين الفنون الأكثر تأثيرا على المشاعر، إذ «بإمكانها تهدئة عنف المشاعر الطبيعية، وحمل النفس إلى حيز أكثر هدوء ونقاوة» (Bénard, 1852, p.138-143).

وقد بينت مجموعة من الأبحاث والدراسات الكندية والأمريكية أن ممارسة الموسيقى في المدرسة، خاصة عندما يجتمع المتعلمون بمختلف أعمارهم وطبقاتهم الاجتماعية، في أركسترا أو في مجموعة صوتية، تمكّن من التحكم في العنف والحد من السلوكات العنيفة، عن طريق إذابة العلاقات المتوترة وخلق جو التعاون والتكامل (Bolduc & Lessard, 2010). وتعضّد هذه النتائج دراسة ألمانية أجريت في مدرستين داخليتين في مدينة ميونخ، التي بينت أن تجربة الارتجال في العزف الإيقاعي في الأقسام التي تضم متعلمين منحدرين من جنسيات وثقافات مختلفة ولهم لغات مختلفة، تمحو الحواجز الإثنية وتخلق جوا تتكاثف فيه الجهود وتزدهر فيه عواطف المحبة والإخاء (Nocker-Ribaupierre & Wolfl, 2010).

صيانة الهوية والانفتاح على الآخر

تختلف الأعمال الغنائية من حيث «النوع والطول والجدية. ومادتها متنوعة تتقافز بين الحياة، الموت، الحب، الطبيعة، الحيوان، البلدان، الفصول والمواسم. وكل أغنية عبارة عن دراما صغيرة، دراما داخلية أحيانا، وأحيانا قصة بعدة أصوات. أو مراقبة متأملة لشيء من الحياة، أو استحضار قوى غامضة من الذاكرة عصية الإدراك». (كريم، 2002، ص.118)

ولا يقتصر العمل الغنائي على إظهار إحساس ما أو حالة نفسية معينة فقط، بل بإمكانه نقل معلومات حول علاقات الأفراد وحالتهم الاجتماعية أيضا. فهو أداة/وسيط للتواصل، ويعتبر شكلا من أشكال تحديد الهوية (Welch, 2005). وقد يكون “حاملا ” vecteur لكل الأحداث القوية التي عايشها مجتمع ما، وكل أوجه التطور التي عرفها هذا المجتمع.

فمن خلال أعمال غنائية أجنبية وعالمية لبلدان وثقافات مغايرة لثقافته (موسيقى العالم world music)، يستطيع الفرد/المتعلم أن ينفتح على هذه العوالم الأخرى، والتّعرف على عادات وتقاليد هذه الشعوب، وكذا اكتشاف طريقة عيشهم، وطرق تواصلهم. فقد تضم أغلب أشعار وكلمات هذه الأعمال الغنائية قصصا[3]، أو وصفا للحياة اليومية أو لطقس من طقوس عيش أفرادها، خاصة إذا كان العمل الغنائي من الموروث الثقافي الشعبي[4] الذي يعكس بشكل صريح الحياة اليومية لتلك الثقافة. وقد يقدِّم العمل الغنائي للمستمع زخما من المعلومات حول طبيعة اللغة، والمستوى الأدبي والفني لذلك البلد، ونبذة عن تاريخه وأمجاده، وغيرها من المعطيات الاجتماعية والثقافية (Gruel-Apert, 1995 ; Dumont, 2008 ; Lambert, 2018 ؛ شبانة، 2008 ؛ الداديسي، 2016). وكما هو معلوم، فالشعر العربي يشمل كل ما يمكن معرفته حول أحوال العربي وطريقة عيشه، وحركاته وسكناته. ويجد الباحثون في تخصصات عدة من الأدب والعلوم الإنسانية، ومنها اللسانيات وعلوم اللغة والتاريخ، أن الشعر والقصائد الشعرية قاعدة بيانات حقيقية، كما هو الأمر بالنسبة لكتاب “الأغاني” للأصفهاني.

خلاصة

إن ارتباط التربية الموسيقية المدرسية بالتكوين الموسيقي في مختلف مستوياته، يحدد بشكل واضح أهدافها التربوية التي لا تسعى لتأهيل موسيقيين محترفين من عازفين أو مغنيين، أو متخصصين في مجال موسيقي ما، بل هدفها الأساس هو التربية، من خلال آثارها الإيجابية على التحصيل الدراسي وعلى سلوك ووجدان المتعلمين، حيث يبقى التكوين الموسيقي بالنسبة للتربية الموسيقية المدرسية وسيلة لا غاية. لذلك، فالتعليم الموسيقي المتخصص ينحو منحى تعليم الفرد الموسيقى ليصبح موسيقيا، أما التربية الموسيقية في الوسط المدرسي فتمنح المتعلم الأدوات اللازمة للتمييز بين الأعمال الموسيقية العالمة/الراقية والأعمال الموسيقية المنحطة التي يهدف أصحابها إلى الربح السريع، وتؤطره ليُقدّر الجمال في الموسيقى ويتذوّقها، والفرق بينهما هو الفرق بين تعليم الـمُنتِج للموسيقى (الموسيقي المحترف) والمُتلقي لها.

وإن مداومة الطفل/المتعلم على أداء الأعمال الغنائية أو ممارسات موسيقية مختلفة في وسط مدرسي، بمعية زملائه أو بمفرده وأمام الآخرين، يُكسبه المناعة ضد الخوف من المشاركة في النقاشات والحوارات، وتمنحه القدرة على التعبير عن أفكاره بكل طلاقة وأريحية. وبالإضافة لاعتياده على مواجهة الآخرين، فهو يستفيد من تقنيات الغناء التي تمنحه القدرة على إتقان مخارج الحروف وضبط نَفَسِه، ليكون كلامه واضحا ومعبّرا، وإذا كان جالسا أو واقفا فوِضْعته مناسبة وسليمة وفي هيئة صحيحة بكل تلقائية.

بالتالي، فالتربية الموسيقية المدرسية تسدي للطفل/المتعلم وضعيات تعلمية وفيرة وغنية لصقل مواهبه ومهاراته، من خلال تربية سمعه وصوته وتنمية قدراته التواصلية غير اللفظية والموازية للفظية، وتنمية رصيده اللغوي وكذا المعرفي. وقيامه بهذه الأعمال في متعة ومرح وانشراح، ينمي لديه المعرفة ويصقل مواهبه الحسحركية، دون أن يهمل الجانب الجمالي، وكل هذا ينعكس بالإيجاب على سلوكه وعلى نفسيته، ليساهم في تنمية ذاته ومحيطه.

[1]– قراءة العلامات الموسيقية بالتنغيم

[2]– مثال من موقع “تعلم الپيانو اليوم” : https://www.teachpianotoday.com/2014/09/04/13-ways-to-improve-your-piano-students-ear-training-skills/ (04/01/2019)

[3]– قد تحمل وتعكس الأشعار في أغلب الأحيان قصصا حقيقية أو خيالية، وثمة أعمال غنائية تصور حقائق وأحداث تاريخية، نذكر من بينها: العمل الغنائي “ثورة الشّك” من كلمات عبد الله الفيصل بن عبد العزيز آل سعود، وألحان رياض السنباطي، ومن أداء كوكب الشرق أم كلثوم. و”لا تكذبي” للشاعر كامل الشناوي وألحان محمد عبد الوهاب، أداء نجاة الصغيرة. وأعمال أخرى كالأغنية المغربية “كان يا مكان” للموسيقار عبد الوهاب الدكالي.

[4]– أمثلة: “يا كُرومًا لنا” و”شِتّي يا دِنيا” كلمات وألحان الأخوين الرحباني، وأداء فيروز (نهاد حداد). “الحلوة دِه” و”بياعين اللبن” من كلمات بديع خيري وألحان سيد درويش.

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

آخر المقالات