إسهام النسب الشريف والزاوية في بناء المشروعية السياسية
تجربة السعديين في المغرب خلال القرن السادس عشر
سليمان ازوير: باحث في سلك الدكتوراه تخصص التاريخ الحديث- مختبر التاريخ والتراث والمجتمع في الحوض المتوسطي، جامعة ابن طفيل -القنيطرة – المغرب.
إشراف: الدكتور مراد التعربتي: مختبر التاريخ والتراث والمجتمع في الحوض المتوسطي، جامعة ابن طفيل -القنيطرة – المغرب
الملخص:
يهدف هذا المقال إلى تحليل إسهام كل من النسب الشريف ومؤسسة الزاوية في بناء المشروعية السياسية للسعديين في المغرب خلال القرن السادس عشر، من خلال تفكيك العلاقة المركّبة بين البعدين الرمزي–الديني والاجتماعي–السياسي في مرحلة تأسيس الدولة السعدية. ينطلق المقال من السياق التاريخي المتسم بتراجع الدولة الوطاسية واضطراب التوازنات القبلية، ليبرز الدور المحوري للزوايا بوصفها فضاءً لإنتاج الشرعية وتوجيه الولاء الاجتماعي، حيث شكلت وسيطًا أساسيًا بين القبائل والسلطة الناشئة، وأسهمت في تعبئة الدعم الشعبي وتأمين الإجماع حول القيادة الجديدة.
ويبين البحث أن النسب الشريف لم يكن في بدايات التجربة السعدية محددًا أوليًا للمشروعية، بل ظل عنصرًا ثانويًا تعززه خصال العلم والتقوى والجهاد، قبل أن يتحول لاحقًا إلى ركيزة محورية مع تثبيت الحكم، نتيجة تشكل تحالف استراتيجي بين الأشراف والزوايا. وقد أنتج هذا التحالف صيغة متبادلة للمشروعية؛ فالزوايا وفّرت للسعديين السند الروحي والاجتماعي، فيما منحها السعديون الحماية والاعتراف السياسي، بما أتاح إعادة إدماج مفهوم الشرف ضمن النسق المخزني بصيغة أكثر فعالية واتساعًا.
ويخلص المقال إلى أن التجربة السعدية أعادت تعريف موقع النسب الشريف داخل البنية السياسية، محوّلًا إياه من قيمة رمزية محدودة إلى عنصر مركزي في الشرعية السياسية، عبر آلية الزاوية التي لعبت دور الرافعة الاجتماعية والروحية في لحظة التأسيس. وبهذا، شكّل تلاقي الشرف والزوايا إحدى الدعائم الأساسية في بناء دولة السعديين، وإعادة تشكيل مفهوم المشروعية السياسية في مغرب القرن السادس عشر.
الكلمات المفتاحية:
المشروعية السياسية – النسب الشريف – الزوايا – السعديون – الشرعية الدينية – التحالفات الاجتماعية– التاريخ السياسي المغربي.
المقدمة
تمثل مرحلة بروز السعديين في المغرب إحدى أبرز المحطات الدقيقة في تاريخه السياسي والاجتماعي، حيث شكلت نقطة تقاطع بين أبعاد مختلفة للشرعية الدينية والاجتماعية والسياسية. وقد ظهر السعديون في سياق تاريخي اتسم بتراجع مكانة الدولة الوطاسية، وارتباك العلاقات بين السلطة المركزية والقبائل، وتحوّل أطر القوة التقليدية، بما فيها العصبية القبلية، إلى عوامل أقل قدرة على ضبط الساحة السياسية. في هذا الإطار، برز كل من النسب الشريف ومؤسسة الزاوية كمكونات رئيسية في صياغة المشروعية الجديدة، إذ قدّم النسب الشريف شرعية رمزية مستمدة من الانتماء إلى آل البيت النبوي، فيما أسهمت الزوايا في توفير سند اجتماعي وروحي قادر على حشد الدعم الشعبي وتوجيه ولاء القبائل.
وتسعى هذه الدراسة إلى استجلاء العلاقة المركّبة بين الأشراف والزوايا في فترة تأسيس الدولة السعدية، مع التركيز على الطريقة التي مكنتهم من تحويل نقاط ضعفهم الأولية، بما فيها حداثة حضورهم وابتعادهم عن شبكات الدعم المريني، إلى أداة فعالة لبناء مشروع سياسي واجتماعي متكامل. كما تهدف إلى إبراز كيفية تحوّل الشرف من عنصر ثانوي في مرحلة التأسيس الأولى إلى ركيزة محورية في شرعنة الحكم، وذلك عبر التحالف الاستراتيجي بين الزاوية الجزولية والأشراف السعديين، الذي مهد الطريق لتأسيس دولة جديدة تمتلك مشروعية واسعة في المجتمع المغربي خلال القرن السادس عشر.
أولا: الزاوية والشرف وإنتاج المشروعية السعدية: من التزكية الروحية إلى التأسيس السياسي
- الزاوية كفضاء لإنتاج الشرعية الاجتماعية والسياسية
لقد مثّلت الملابسات التاريخية التي واكبت بروز الأسرة السعدية منعطفًا حاسمًا في مسار التاريخ السياسي والاجتماعي للمغرب، إذ أسهم ما عرفته الدولة الوطاسية من تفكك بنيوي وتراجع في القدرة على ضبط المجالين السياسي والقبلي في إتاحة الشروط الموضوعية لظهور فاعلين جدد سعوا إلى ملء فراغ السلطة وإعادة تشكيل أسس المشروعية. وفي هذا الإطار، برزت مؤسسة الزاوية باعتبارها فضاءً تفاعليًا تقاطع فيه الديني بالاجتماعي، والرمزي بالسياسي، لتتحول إلى مركز مؤثر في إنتاج أنماط جديدة من الشرعية، ولا سيما في مرحلة شهدت أفول دور العصبية القبلية التقليدية التي شكّلت الدعامة الأساسية للحكم خلال العهود المرابطية والموحدية، وبنسبة أقل خلال العهدين المريني والوطاسي.
ويكشف استقراء هذا السياق أنّ المشروعية السياسية لم تكن نتاج عامل أحادي، بل تشكّلت من تفاعل مركّب بين الزوايا من جهة، والأشراف من جهة ثانية، والقبائل من جهة ثالثة، في إطار بحث هذه الأخيرة عن مرجعية جامعة تضمن توازنها الداخلي وقدرتها على مواجهة الضغوط الخارجية والاضطرابات الداخلية. غير أنّ الزاوية، بما تمتلكه من رصيد رمزي وروحي، وبما راكمته من قدرة على استقطاب الولاءات الاجتماعية، تصدّرت هذه العوامل. فقبائل سوس، حين اجتمعت لاختيار قيادة تتولى الدفاع عنها وتحقق لها الاستقرار، لم تتجه بادئ الأمر نحو الأشراف، بل وقع اختيارها على الشيخ الإمام والفقيه محمد بن مبارك الأقاوي، المعروف بعلمه وورعه، وبخطابه التحريضي على الجهاد ضد الغزو الأجنبي. ولم يكن هذا الاختيار وليد الصدفة، بل عكس إجماعًا ضمنيًا على مركزية الزوايا بوصفها المرجعية الأكثر موثوقية لدى العامة في تلك المرحلة.
ويحيل هذا المعطى إلى حقيقة مفصلية مفادها أنّ الشرف، في هذه المرحلة التأسيسية، لم يكن المحدد الحاسم للزعامة، وإنما عنصرًا إضافيًا لتعزيز المشروعية متى اقترن بخصال العلم والتقوى والجهاد. فمحمد بن مبارك الأقاوي، رغم عدم توفره على ميزة الارتباط بالنسب الشريف، حاز ثقة القبائل بفضل ما راكمه من رأسمال رمزي بصفته شيخًا جزوليًا، وما تمتّع به من سمعة روحية ومكانة اجتماعية، الأمر الذي جعله الأجدر بالقيادة في نظرها. ويكفي في هذا الصدد أن تشير المصادر إلى اعتباره قطبًا من أقطاب الولاية في سوس، وهو توصيف يعكس حجم الاحترام والإجلال الذي حظي به داخل الأوساط الاجتماعية.
غير أنّ المثير للانتباه أنّ هذا الشيخ لم يتولَّ القيادة بشكل مباشر، بل وجّه القبائل نحو شخصية أخرى هي محمد بن عبد الرحمان، التي توفرت فيها نفس شروط العلم والتقوى والاستعداد للجهاد. ويكشف هذا التوجيه بوضوح عن الدور الحاسم الذي اضطلع به شيخ الزاوية في بلورة المشروعية مذ البداية، إذ كان هو المانح الفعلي لشرعية الاختيار، وهو الذي مهّد الطريق أمام الأشراف لاعتلاء موقع القيادة. ولولا هذه التزكية الصادرة عن شيخ جزولي يتمتع بمثل هذا الوزن الرمزي، لما أمكن للنسب الشريف أن يتكرّس لاحقًا كدعامة مركزية في المشروعية السعدية.
وانطلاقًا من ذلك، يتبيّن أنّ مؤسسة الزاوية لم تكن مجرد فضاء ديني محدود التأثير، بل أدّت وظيفة محورية في إنتاج الشرعية الاجتماعية والسياسية. فقد استطاعت التعبير عن تطلعات القبائل، وتأطيرها ضمن خطاب ديني جامع يتجاوز الانقسامات القبلية، ويوفر للمشروع السياسي الناشئ سندًا روحيًا بالغ الأهمية. وقد استوعب السعديون هذا المعطى في وقت مبكر، فأسّسوا مشروعهم الأولي على تحالف متين مع شيوخ الزوايا، الذين امتلكوا القدرة على تعبئة الدعم الشعبي وتوجيه الولاء الجماعي نحو قيادة بعينها.
وفي هذا السياق، يندرج الطعن الذي واجه السعديين من قبل خصومهم،[1] بشأن نسبهم الشريف، ضمن ما يمكن اعتباره صراعًا موازيًا حول المشروعية. فقد “اتخذ الوطاسيون من الطعن في نسبهم وسيلة لمقاومتهم وتنفير العامة منهم”،[2] إدراكًا منهم لما يمكن أن يترتب عن التقاء النسب الشريف بدعم الزاوية من قوة رمزية وسياسية يصعب احتواؤها. وهو ما جعل الدفاع عن الشرف جزءًا لا يتجزأ من معركة المشروعية التي خاضها السعديون منذ بداياتهم.
ومع ذلك، فإن اللافت أنّ السعديين أنفسهم لم يقبلوا في البداية على تبني لقب “السعديين”، لما يحمله من دلالة قدحية تنفي انتسابهم إلى آل البيت، وتربطهم بقبيلة بني سعد بن هوازن غير القرشية.[3] ولذلك ظلّوا متشبثين بلقب “الشريف”، وهو اللقب الذي حمله القائم بأمر الله وأبناؤه من بعده، إلى حدّ أنّ ملك البرتغال كان يخاطب محمد الشيخ في مراسلاته بصفة “الشريف”.[4] كما ذهب أحمد المنصور خطوة أبعد حين أطلق على دولته اسم الدولة الحسنية، وكان يوقّع رسائله بصفتي “الشريف الحسني” و”الحسني الفاطمي”،[5] تأكيدًا على مركزية هذا الأساس في بناء شرعيته.
وتدلّ هذه المعطيات مجتمعة على أنّ الزاوية شكّلت الحاضنة الأولى التي مهّدت لظهور المشروعية السعدية، إذ منحتها الشرعية الرمزية، ووجّهت مسار الولاء الجماعي، قبل أن يتعزز هذا المسار لاحقًا بمرتكز النسب الشريف. ولعلّ القبائل ما كانت لتقبل بسهولة زعامة أحد الأشراف لولا الإشارة الصريحة وتزكية شيخ جزولي له، وهو ما يبرز الزاوية باعتبارها وسيطًا بين القبائل والأشراف، ومجالًا لإنتاج مشروعية هجينة تداخل فيها الديني بالاجتماعي والسياسي.
وتكمن القيمة المضافة لهذا التحالف بين الزاوية والشرف في كونه أعاد الاعتبار لمفهوم المشروع
ية الدينية–الاجتماعية، بعد أن فقد الأشراف في الفترات السابقة جزءًا كبيرًا من مكانتهم نتيجة ارتباطهم الوثيق بالسلطة المرينية، واعتمادهم على دعمها الرسمي أكثر من ارتكازهم على القبول الشعبي، حيث “ارتبط مصيرهم بمصير الحكام، وأخذ وزنهم يتضاءل لصالح الصوفية”.[6] وقد أفضى ذلك إلى نفور قطاع من المجتمع منهم، مقابل صعود مكانة الصوفية والزوايا. غير أنّ التجربة السعدية نجحت في ترميم هذه العلاقة عبر توظيف النسب الشريف ضمن تحالف وثيق مع الزوايا، ما أتاح إعادة إدماج الشرف في النسق الاجتماعي والسياسي من موقع قوة.
وعليه، يتضح أنّ مؤسسة الزاوية لم تقتصر على أداء وظيفة روحية، بل تحولت إلى رافعة سياسية مركزية، وجسر عبور نحو بناء دولة جديدة. فقد أضفت على المشروع السعدي طابعًا جماعيًا، ومنحته القدرة على تجاوز الحدود الضيقة للعصبية القبلية. ومن دون هذا الدور، ما كان للنسب الشريف أن يكتسب فعاليته في تلك المرحلة الدقيقة. وبذلك غدت الزاوية مجالًا لصناعة المشروعية، بما راكمته من رأسمال رمزي وروحي، وبما جسّدته من سلطة اجتماعية تجاوزت القبائل نحو أفق سياسي أوسع.
- تحول الشرف من موقع ثانوي إلى محور أساسي: تحالف الأشراف والزوايا في بناء المشروعية السعدية
تُعدّ اللحظة التي انتقل فيها مرتكز الشرف من موقع ثانوي إلى موقع مركزي ضمن مشروع المشروعية السعدية محطةً مفصلية في التاريخ السياسي للمغرب، إذ ارتبط هذا التحول ارتباطًا وثيقًا بمرحلة تثبيت الأمراء السعديين لسلطتهم. ففي هذا السياق، لم يعد الشرف عنصرًا قابلًا للتفاوض أو المراجعة، بل غدا قاعدةً تأسيسية تنطلق منها مختلف صيغ الشرعنة وتعود إليها، بما جعل منه مرتكزا بنيويًا في خطاب المشروعية السعدية. ويبدو أنّ مطلع عهد محمد الشيخ مثّل الإطار الأنسب لترسيخ هذا التحول، حيث تبلور الشرف بوصفه ركيزة مطلقة في ميدان الصراع السياسي والاجتماعي.
غير أنّ فهم هذا المسار يقتضي العودة إلى المرحلة السابقة على تشكّل السعديين كقوة حاكمة، وهي مرحلة اتسمت بتقدّم الحضور الرمزي والروحي لمؤسسة الزاوية في الوعي الجماعي على حساب مكانة الأشراف أنفسهم. فالزاوية في تلك الحقبة لم تكن مجرد إطار ديني، بل فضاءً اجتماعيًا فاعلًا، أسهم في تنظيم العلاقات بين القبائل وضمان حدّ أدنى من الاستقرار الرمزي داخل الجماعات. بل إنها كانت في نظر العامة مرجعيةً أخلاقية وروحية قبل أن تكون مرجعية سياسية.[7] وإذا استحضرنا السياق الذي جرى فيه اختيار محمد بن عبد الرحمان السعدي لقيادة مشروع الجهاد، أمكن الافتراض أنّ القبائل السوسية لم تكن لتُقدم على اختيار شريف بعينه، لولا توجيه أحد كبار شيوخ الزاوية الجزولية، ممّن كان يتمتع بمكانة اعتبارية عالية وبقدرة فعلية على الحسم في الخيارات المصيرية.
ويُسهم استحضار الرمزية الاجتماعية والشرعية الأخلاقية التي حازها شيوخ الزوايا في تلك المرحلة في توضيح دلالة هذا التوجيه. فقد ارتبطت الزوايا في المخيال الجماعي بالبركة والصلاح والولاية، وبالقدرة على حماية الجماعة من المخاطر الداخلية والخارجية.[8] ومن ثمّ، فإنّ اختيار القبائل السوسية لشخصية تحيط بها هذه الهالة الاعتبارية لم يكن تعبيرًا عن تفضيل فردي، بقدر ما كان تجسيدًا لإرادة جماعية تسعى إلى ضمان الإجماع والتوافق حول قائد قادر على حمل راية الجهاد. وفي هذا الإطار، تتبدّى المكانة الخاصة التي حظي بها الشيخ محمد بن مبارك الأقاوي، الإمام والفقيه المعروف، الذي تميّز بسعة علمه وورعه، واشتهر بدعوته المستمرة إلى الجهاد ضد القوى الغازية. وقد بلغ من تقدير أهل منطقته له أن عُدّ من كبار الأولياء المشهورين، إذ وصفه صاحب نزهة الحادي بقوله: “كان رحمه الله قطعي الولاية عند أهل السوس، وظهرت له كرامات عديدة”.[9]
واللافت أنّ هذا الشيخ، على الرغم من مكانته الرفيعة، لم يكن من الأشراف، أي أنّ نسبه لم يكن متصلًا بآل البيت النبوي، وهو معطى كافٍ للدلالة على أنّ الشرف لم يكن محددًا حاسمًا في عملية الاختيار الأولى. فقد احتلت الكفاءة العلمية، والورع، والقدرة على تعبئة الناس للجهاد موقع الصدارة، متقدمةً على معيار النسب الشريف في تلك المرحلة. وعندما أشار الشيخ الأقاوي إلى الشريف محمد بن عبد الرحمان[10] ليقوم مقامه في قيادة العمل الجهادي، فإنّ اختياره استند إلى جملة من الصفات العملية والأخلاقية التي عدّدها للقبائل، من بينها سعة العلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتمسك بسيرة السلف، والمرابطة والمجاهدة، فضلًا عن حسن الخلق والقدرة على الإصلاح بين المتخاصمين.[11] ولا تشير المصادر إلى أنّ الشيخ استحضر نسبه الشريف ضمن هذه الخصال، وهو ما يعزّز الاستنتاج القائل بأنّ الشرف لم يكن شرطًا أوليًا في بناء المشروعية السعدية.
غير أنّ تطور الأحداث أفضى تدريجيًا إلى إعادة ترتيب هذا التوازن. إذ يطرح هنا سؤال مركزي: كيف انتقل الشرف من موقع ثانوي في لحظة التأسيس الأولى إلى مرتكز محوري في شرعنة الحكم السعدي؟ ويكمن الجواب في تشكّل تحالف صريح بين الأشراف وشيوخ الزوايا. فإذا كانت المرحلة الأولى قد اتسمت بوساطة الزاوية في إنتاج المشروعية، فإنّ المرحلة اللاحقة شهدت ترسيخ هذا التحالف بوصفه آلية سياسية واجتماعية أساسية. فقد أدرك السعديون أنّ النسب الشريف، على ما ينطوي عليه من قوة رمزية، يظل قاصرًا عن توفير شرعية صلبة ما لم يُدعَّم بامتداد اجتماعي عميق داخل القبائل، وهو الامتداد الذي لم يكن متاحًا إلا عبر الزوايا.
وعليه، غدا هذا التحالف ضرورة سياسية أكثر منه خيارًا عرضيًا. فالشريف كان في حاجة إلى تزكية عملية تُترجم إلى بيعة وقبول مجتمعي، في حين كانت الزاوية بحاجة إلى قوة سياسية–عسكرية تحميها من خصومها، سواء من الوطاسيين في الداخل أو من البرتغاليين على السواحل. ومن ثمّ، يمكن النظر إلى العلاقة بين الشريف والزاوية بوصفها التقاءً للمصالح بين الرمزي والسياسي، وبين الروحي والمجسّد، حيث يُكمل كل طرف الآخر ضمن معادلة متبادلة.
وتكشف دراسة تفاصيل هذه المرحلة عن حركية دقيقة في توزيع الأدوار؛ إذ حرص شيوخ الزوايا على إبقاء الأشراف تحت إشرافهم، يستمدون منهم شرعية أولية، في مقابل سعي السعديين إلى ربط مشروعهم بالطريقة الجزولية، بما تمتلكه من رأسمال رمزي واسع. وليس من المستغرب، في هذا السياق، أن تتمّ المبايعات الأولى للأمراء السعديين داخل فضاءات روحية مرتبطة بالزوايا أو تحت إشراف رجالها. وحتى البيعة التي نالها محمد القائم بأمر الله جاءت ثمرة هذا التلاقي، إذ نظر إليه شيوخ جزوليون بارزون لا باعتباره شريفًا فحسب، بل حاملًا لمشروع ديني–جهادي ينسجم مع خط الزاوية.
ومع تتابع الوقائع، اتخذ هذا التحالف طابعًا تبادليًا أكثر وضوحًا؛ فالزاوية وفّرت للسعديين الشرعية الروحية والولاء القبلي، في حين منحها السعديون الحماية وضمان الاستمرارية. غير أنّ هذه العلاقة لم تخلُ من توترات، إذ شرع الأشراف في تعزيز موقعهم المستقل، مستندين من جهة إلى نسبهم الشريف، ومن جهة أخرى إلى إنجازاتهم العسكرية، فتحوّل الشيخ من مصدر وحيد للشرعية إلى وسيط أساسي في البداية، ثم إلى شريك ثانوي مع مرور الزمن.
ومع ذلك، فإنّ التجربة التاريخية تؤكد أنّ السعديين ما كانوا ليتمكنوا من بناء دولتهم دون هذا التحالف. فالقوة المادية وحدها لا تكفي لإخضاع القبائل، كما أنّ النسب الشريف لا يضمن الإجماع في غياب سند روحي واجتماعي. ومن هنا تتبلور ما يمكن تسميته بـالمعادلة التاريخية: نسب يمنح الشرعية، زاوية توفّر الثقة الشعبية، وقبائل تلتزم بالولاء بفعل هذه التزكية المزدوجة.
وقد خلّف هذا التلاقي بين الشريف والزاوية أثرًا بالغًا في إعادة تعريف مفهوم الشرف ذاته، إذ انتقل من كونه معطًى بيولوجيًا محدود الأثر إلى قيمة اجتماعية–دينية ذات امتداد سياسي مباشر. وأضحى الشرف أداة للتأطير والقيادة، وعنصرًا مكوّنًا في الشرعية المخزنية الناشئة. وبذلك، لم يكن التحالف بين الشريف والزاوية علاقة دعم عابر، بل تحالف ضرورة في زمن التأسيس، حيث احتاج كل طرف إلى الآخر: الشريف إلى تزكية الزاوية، والزاوية إلى حماية الشريف. ومن رحم هذا التحالف تشكّلت المشروعية السعدية بوصفها صيغة جديدة للتوازن بين السياسة والمجتمع في مغرب القرن السادس عشر.
ثانيا: من التزكية إلى التمكين: الزوايا وإعادة إنتاج الشرف السياسي
- الشرف والزوايا في العصر المريني: تحولات المشروعية والتمثّل الاجتماعي
حظي الأشراف بحضور وازن في الذاكرة الجماعية للمغاربة منذ العهد الإدريسي، إذ ارتبطت صورتهم بالشرعية الدينية والرمزية المستمدة من الانتساب إلى آل البيت النبوي. غير أنّ هذا الحضور لم يحافظ على ثباته التاريخي، بل عرف عبر القرون تحولات عميقة فرضتها السياقات السياسية والاجتماعية المتعاقبة. ففي العصر المريني، على وجه الخصوص، سعت السلطة إلى استثمار الرصيد الرمزي للأشراف في خدمة مشروعيتها السياسية، بعد أن فقدت جزءًا كبيرًا من مقومات القوة التقليدية القائمة على العصبية. وهكذا، كما يبيّن محمد القبلي في تحليله المعمّق الوارد في كتابه “مراجعات حول المجتمع والثقافة بالمغرب الوسيط”، وجدت الدولة المرينية نفسها في أمسّ الحاجة إلى مشروعية اجتماعية تسند بها وجودها السياسي، فعملت على توظيف المكانة التاريخية للأشراف،[12] ومدّتهم بالدعم المادي والمعنوي، في محاولة لتأمين القبول الشعبي وتعزيز موقعها داخل النسق السياسي المغربي آنذاك.
وقد شمل هذا الدعم فئات متعددة من الأشراف، في مقدمتهم الأدارسة باعتبارهم أقدم حضور شريف مؤسِّس بالمغرب، إضافة إلى فرع السبتيين المعروفين أيضًا بالصقليين، الذين يعود أصلهم – كما هو ثابت – إلى الهجرة من جزيرة صقلية عقب احتلالها من قبل النورمان وانتهاء الوجود الفاطمي بها في منتصف القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي. وقد استقر هؤلاء أولًا بالأندلس، قبل أن يتجهوا نحو مدينة سبتة مع مطلع العصر الموحدي على الأرجح.[13] وإلى جانبهم، برز أشراف سجلماسة وغيرهم ممن نجحوا في بناء مكانة اعتبارية داخل المجتمع المغربي.
غير أنّ هذا التقريب المكثف من طرف الدولة المرينية لم يُفضِ، في نهاية المطاف، إلى نتائج إيجابية بالنسبة إلى الأشراف على المدى البعيد. فبحسب تحليل محمد القبلي، أفرزت سياسة استمالة الأشراف آثارًا عكسية، إذ جعلت قطاعات واسعة من المجتمع المغربي تنظر إليهم بنوع من الريبة أو اللامبالاة. فقد بدا أنّ الأشراف فقدوا جزءًا معتبرًا من رمزيتهم التقليدية بفعل التصاقهم بمراكز الحكم المرينية، وتحولهم إلى فاعلين مندمجين في شبكة المصالح السياسية، بدل الحفاظ على مسافة رمزية تحصن مكانتهم الأخلاقية. وإذا كان حضورهم قد ظلّ في مرحلة معينة إيجابيًا في الوعي الجمعي، فإن هذا الحضور أخذ في التراجع تحت وطأة التحولات التي أفرزتها الدولة المرينية نفسها، ولا سيما مع شروع بعض الأشراف في توسيع الفجوة الأخلاقية بينهم وبين العامة عبر الامتيازات ومظاهر القرب من السلطان، وهو ما أسهم تدريجيًا في إضعاف شرعيتهم الشعبية.
ويكتسي التحليل الذي يقدمه “محمد القبلي” في هذا السياق أهمية خاصة، لكونه يبرز بوضوح جدلية العلاقة بين الأشراف والدولة المرينية. فالأشراف، الذين مثّلوا في الأصل رمزًا للوحدة الروحية والشرعية الرمزية للمجتمع، تحوّلوا بفعل سياسات التقريب الرسمية إلى نخبة اجتماعية مستفيدة من علاقتها بالسلطة المركزية، الأمر الذي أفقدهم جزءًا من التعاطف الشعبي. وفي المقابل، أدى صعود الزوايا والرباطات، التي تميزت بقدرتها على تمثيل الانشغالات الروحية والاجتماعية للناس بشكل مباشر، إلى إزاحة الأشراف التقليديين من موقعهم المركزي في الوجدان الجماعي، _ نستحضر هنا أن بعض شيوخ الزوايا أنفسهم من الأشراف-. وهكذا -يؤكد القبلي- تشكّلت داخل المجتمع المغربي آلية جديدة: فبينما انكمش الدور الرمزي للأشراف بفعل علاقتهم الوثيقة بالدولة، تقدّمت الزوايا لتحتل موقعًا أكثر تأثيرًا، بوصفها وسيطًا يتمتع بقدر أكبر من المصداقية بين الناس والسلطة.
غير أنّ هذا الطرح، على الرغم من وجاهته، يفتح المجال أمام جملة من التساؤلات المنهجية. فإذا كان الدعم المريني قد أسهم بالفعل في إضعاف الصورة الرمزية للأشراف على المدى الطويل، فهل يمكن توصيف العلاقة بين الأشراف والزوايا باعتبارها علاقة تناقض حاد، أم أنّها كانت في بعض السياقات علاقة تكامل؟ وهل شكّلت الزوايا بديلًا حقيقيًا عن الأشراف، أم أنّها مثّلت في حالات عديدة امتدادًا لهم في صيغ مختلفة، لا سيما وأنّ غالبية مؤسسي الزوايا حرصوا على إبراز نسبهم الشريف عبر سلاسل نسب مكتوبة وموثقة “وذلك بإثباته عن طريق وضع شجرتهم الجينيالوجية التي تربطه بذلك الأصل”.؟[14] إنّ هذه التساؤلات تكشف أنّ العلاقة بين الطرفين لم تكن بالضرورة علاقة إقصاء أو إحلال، بقدر ما كانت علاقة تركيب معقّد، أعادت من خلالها الزوايا إنتاج الرأسمال الرمزي للشرفاء ضمن قوالب أكثر التصاقًا بالواقع الاجتماعي والروحي للناس.
وعليه، يمكن اعتبار تجربة الأشراف في ظل الدولة المرينية مرحلة انتقالية في تاريخ الشرف بالمغرب، اتسمت بتجاذب مستمر بين الشرعية السياسية التي سعت الدولة إلى توظيفها، والتمثلات المجتمعية التي أخذت تتحول تدريجيًا نحو مؤسسات أخرى، في مقدمتها التصوف والزوايا. وقد مهّد هذا التحول الطريق لاحقًا لظهور تحالفات جديدة خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، حين التقى الشرف السعدي بالزاوية الجزولية والقبائل السوسية في إطار مشروع شرعي بديل، قام على تجاوز الإرث المريني، وبناء مشروعية أكثر قدرة على الصمود في مواجهة التحديات السياسية والعسكرية التي عرفها المغرب في تلك المرحلة.
- العزلة السياسية للشرف السعدي وأثرها في تشكّل المشروعية
يذهب محمد القبلي في تحليله إلى أنّ السعديين لم يدخلوا ضمن دائرة الأشراف الذين استفادوا من الدعم المريني المادي والمعنوي، على خلاف العديد من الفروع الشريفية الأخرى. ويعلل ذلك بكونهم ظلوا في موقع هامشي بعيد عن مركز السلطة المرينية، فلم يكونوا من أشراف الدولة ولا من الأشراف المستفيدين من عطاياها. ويرى القبلي أنّ هذا “العامل قد لعب دورا لا يستهان به في اختيار الصوفية لهم من دون سائر أشراف البوادي بالشمال أو الجنوب”.[15] مما كان له الأثر الحاسم، إذ منح السعديين نوعاً من “العذرية السياسية” التي جعلتهم في نظر المجتمع بعيدين عن شبهات التواطؤ مع الحكم، الأمر الذي زاد من قابليتهم للقبول المجتمعي حين التفتت إليهم الزاوية الجزولية والقبائل السوسية لاحقاً لدعمهم وتزكيتهم.
غير أنّ هذا الاستنتاج، على قوته التحليلية، يطرح إشكالية التوقيت الزمني. فالدعم الذي خصّ به المرينيون بعض الأشراف تراجع بشكل ملحوظ منذ عهد السلطان أبي سعيد الثالث، الذي أوقف كثيراً من المراسيم الرسمية ذات الصلة بالأشراف، وهو ما يؤكده محمد القبلي استنادا إلى ما أورده الحسن الوزان في معرض حديثه عن الأمداح النبوية،[16] حيث يقول: “ويبدو أن السلطان أبا سعيد الثالث (800_823/1398_1420) قد شمّر على ساعد الجد منذ مطلع عهده للاطلاع بمهمة تعديل سياسة أجداده إزاء الأشراف، فبدأ بإزالة مراسيم الاحتفال بعيد المولد النبوي على الصعيد الرسمي”.[17] وإذا كان السعديون قد وفدوا على المغرب منذ القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي، فإن حضورهم المؤثر لم يبدأ إلا في منتصف القرن الخامس عشر، أي في المرحلة التي شرعت فيها الدولة المرينية بالتخلي تدريجياً عن سياسة الدعم المكثف للأشراف. وبذلك يمكن القول إنّ عدم استفادة السعديين من هذا الدعم لم يكن استثناءً مقصوداً بهم بقدر ما كان نتيجة لتأخر بروزهم التاريخي ولتراجع سياسة الدولة المرينية عن دعمهم في آن واحد.
تشير مجموعة من المصادر إلى أنّ الأشراف السعديين وفدوا في البداية إلى منطقة درعة بطلب من بعض أهلها الذين اتصلوا بهم في الحج، رغبةً في البركة واستصلاح الزرع والثمار. وقد “استقروا قرب زاكورة في منطقة تاكمدارت”،[18] “، ثم اتجه بعض فروعهم في منتصف القرن الخامس عشر نحو الشمال ليستقروا في قرية تيدسي قرب تارودانت، “على مقربة من الولي الصالح أبي عبد الله بن المبارك الذي نشر بالسوس عقائد الجزولية؛ ومن ذلك الحين ابتدأ الدور الديني للسعديين”[19] يظهر شيئاً فشيئاً، عبر اقترابهم من الخطاب الصوفي الجزولي المنتشر في سوس.
إنّ هذا السياق يوضح أنّ السعديين لم يدخلوا الساحة السياسية والاجتماعية من موقع قوة أو من خلال رصيد تاريخي طويل كما هو حال الأدارسة أو السبتيين، بل من خلال وجود متأخر نسبياً مكّنهم من الاستفادة من حداثة حضورهم، فابتعادهم عن السلطة المرينية، وتفرعهم في فضاء جنوبي شبه معزول، جعلهم بعيدين عن التصنيف المجتمعي السلبي الذي لحق بكثير من الأشراف المقربين من الحكم. وهذا العامل، أكثر من كونه استثناءً أو امتيازاً، كان سبباً موضوعياً في قدرتهم على تقديم أنفسهم لاحقاً كبديل شرعي مقبول لدى العامة والقبائل.
من المهم الإشارة إلى أنّ هذا “الابتعاد” لم يكن بالضرورة ميزة مطلقة. فقد جعل السعديين عرضة للتشكيك في نسبهم، إذ روّج بعض الخصوم أنّهم لا ينتسبون إلى آل البيت بل إلى مرضعة النبي حليمة السعدية.[20] هذا الطعن في نسبهم يكشف عن هشاشة موقعهم في البداية، وعدم قدرتهم على فرض الاعتراف بنسبهم دون وساطة الزاوية الجزولية. وهو ما يعني أنّ الشرعية السعدية لم تتأسس على النسب وحده، وإنما على تظافر عناصر أخرى: القبول المجتمعي، والدعم الصوفي، ثم لاحقاً النجاح العسكري والسياسي.
وعندما قررت القبائل السوسية الدخول في مشروع مواجهة الاحتلال البرتغالي، لم يكن -كما سلف- النسب الشريف للسعديين هو المحدد الأول في اختيارهم، وإنما كانت صفات القائم بأمر الله محمد بن عبد الرحمن من علم وصلاح وقدرة على الإصلاح والوساطة، هي التي دفعت شيخ الزاوية الأقاوي إلى تزكيته. ومع ذلك، فإن النسب الشريف، ولو لم يكن محدداً أولياً، شكّل قيمة مضافة دعمت صورته ورسّخت القبول به في المخيال الجمعي. ومع تتابع الأحداث، سيتحول هذا النسب إلى عنصر مركزي في صياغة الشرعية السعدية، لا سيما بعد الانفصال عن الزاوية الجزولية في عهد محمد الشيخ.
إنّ القراءة المتأنية لمسار السعديين تكشف أنّهم نجحوا في تحويل ما كان في البداية نقطة ضعف – أي حداثة حضورهم وابتعادهم عن شبكات الدعم المريني – إلى نقطة قوة. فبينما التصقت صورة كثير من الأشراف بالسلطة وفقدت جاذبيتها، ظهر السعديون بمظهر الفئة “النقية” غير المتورطة، “والبعيدة كل البعد عن شبهات التعامل مع الحكم”.[21] وبمجرد أن ارتبطوا بالزاوية الجزولية، حصلوا على تزكية روحية ومجتمعية فتحت لهم أبواب الشرعية، وهو ما سمح لهم بالتحول من مجرد أشراف مهاجرين حديثي الوجود في درعة وسوس إلى أسرة مؤسِّسة لدولة كبرى في تاريخ المغرب.
هكذا يمكن القول أنّ الأشراف السعديين مرّوا بمرحلتين متكاملتين: مرحلة العزلة النسبية التي أبقتهم خارج دائرة الاستفادة من الدعم المريني ولكنها حفظت لهم قبولاً مجتمعياً كامناً، ومرحلة التمكين التي انطلقت مع تحالفهم مع الزاوية الجزولية واستثمارهم للنسب الشريف كعنصر حاسم في ترسيخ مشروعهم السياسي. وبهذا المعنى، لم يكن الشرف محدداً أولياً في اختيارهم، لكنه تحوّل بفعل السياق التاريخي إلى ركيزة أساسية في مشروعية دولتهم، امتدت آثارها إلى أبنائهم من بعدهم، لتصبح أحد أعمدة المخزن السعدي طوال القرن السادس عشر.
الخاتمة
يتضح أنّ مشروعية الدولة السعدية لم تنشأ نتيجة عامل واحد أو مسار خطي مباشر، بل كانت ثمرة تفاعل معقد بين عناصر متعددة للشرعية الدينية والاجتماعية والسياسية. فقد شكّل النسب الشريف إحدى الركائز الرمزية الأساسية، غير أنّه لم يكن العامل الحاسم في مرحلة التأسيس الأولى، إذ كانت الكفاءة العلمية والورع والقدرة على قيادة الجهاد وتوجيه القبائل من أهم المحددات العملية لاختيار القادة، كما يتجلى ذلك في الدور المحوري الذي اضطلع به شيخ الزاوية الأقاوي في تزكية محمد بن عبد الرحمان السعدي. وفي الوقت نفسه، برزت الزاوية كمؤسسة فاعلة تمتلك القدرة على إنتاج مشروعية اجتماعية وسياسية، حيث وفرت قاعدة ولاء جماعي وروحي، مكنت السعديين من تأسيس مشروعهم السياسي في بيئة اتسمت بغياب الاستقرار الرمزي التقليدي.
كما أظهرت الدراسة أنّ ابتعاد السعديين عن شبكات الدعم المريني التقليدية وظهورهم في فضاء جنوبي شبه معزول شكّل في البداية نقطة ضعف نسبية، لكنها تحولت لاحقًا إلى ميزة استراتيجية، إذ مكّنتهم من تقديم أنفسهم كبديل شرعي “نقي” بعيد عن شبهات التواطؤ مع السلطة، وهو ما تعزز لاحقًا من خلال تحالفهم مع الزاوية الجزولية والقبائل السوسية. ومن خلال هذا التحالف، أصبح النسب الشريف قيمة مضافة تعزز مشروعية الحكم، وتوفر أساسًا متينًا لترسيخ السلطة، حتى أضحى عنصرًا محوريًا في استراتيجيات الدولة السعدية على المدى الطويل، بما في ذلك ضمان الولاء الشعبي وتنظيم العلاقة بين السلطة والقبائل.
وبناء عليه، يمكن التأكيد على أنّ تجربة السعديين تمثل نموذجًا متقدمًا في تاريخ المغرب السياسي والاجتماعي، يعكس قدرة النخب الصاعدة على توظيف الرأسمال الرمزي والديني لبناء مشروع سياسي مستدام. وتبرز هذه التجربة كيفية تحويل التحالف بين النسب الشريف والزوايا إلى رافعة أساسية لصياغة المشروعية، مع دمج البعد الاجتماعي والروحي في صلب المشروع السياسي، بما يتيح تجاوز الإرث السابق للدولة المرينية ومعالجة هشاشة الشرعية التقليدية المرتبطة بالأشراف المتقربين من السلطة.
إن هذه المعادلة التاريخية – التي تجمع بين الشرف والزاوية والقبائل – تؤكد أنّ المشروعية في المغرب خلال القرن السادس عشر لم تكن مجرد امتداد للنسب أو السلطة، بل نتاج تفاعلي متوازن بين الرمزي والسياسي، وبين الروحي والاجتماعي، ليؤسس بذلك نموذجًا فريدًا لصياغة الدولة والمشروع السياسي في سياق إقليمي متشابك ومعقد، يعكس ديناميكية التحولات الاجتماعية والسياسية ويبيّن كيفية توظيف الرمزية الدينية والاجتماعية في تثبيت السلطة وبناء الدولة.
البيبليوغرافيا
- المصادر
- الإفراني محمد الصغير، نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي، تقديم وتحقيق عبد اللطيف الشادلي، الطبعة الأولى، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1998.
- الفشتالي عبد العزيز، مناهل الصفا في مآثر موالينا الشرفا، دراسة وتحقيق كريم عبد الكريم، مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والثقافة.
- الناصري أحمد بن خالد، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، ج5، تحقيق وتعليق جعفر الناصري ومحمد الناصري، دار الكتاب، الدار البيضاء، 1418ه-1997م.
- الوزان الحسن، وصف افريقيا، ترجمة محمد حجي، محمد الأخضر، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثانية، ج1، بيروت، 1983.
- المراجع
- أكنوش عبد اللطيف، تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية في المغرب، افريقيا الشرق، الدار البيضاء، 1980.
- بوطالب ابراهيم، وآخرون، تاريخ المغرب، ترجمة: الغرايب محمد وعبد العزيز بلفايدة ومحمد العرجوني، ط، 1، الرباط، مطابع الرباط نت، 2018.
- التازي عبد الهادي، الوسيط في التاريخ الدولي للمغرب، دار نشر المعرفة، الرباط، 2001، ج2.
- حركات ابراهيم، المغرب عبر التاريح، ج2، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1978.
- رحمة بورقية، الدولة والسلطة والمجتمع: دراسة في الثابت والمتحول في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1991.
- ضريف محمد، مؤسسة الزوايا بالمغرب، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، الطبعة الأولى 1992.
- الفيلالي عبد الكريم، التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير، ج3، الطبعة الأولى، شركة ناس للطباعة، القاهرة، 2006.
- القبلي محمد، المجتمع والحكم والدين بالمغرب في نهاية العصر الوسيط، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، ط 1، 2017.
- القبلي محمد، مراجعات حول المجتمع والثقافة بالمغرب الوسيط، دار توبفال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1987.
- كريم عبد الكريم، المغرب في عهد الدولة السعدية، منشورات جمعية المؤرخين المغاربة، ط 3، الرباط، 2006.
- لطفي عيسى، المضاعفات الاجتماعية والسياسية لتجربة التصوف بالمغرب الأقصى خلال القرنين 15 و 16: الطائفة الجزولية نموذجا، المجلة التاريخية المغاربية، عدد 107-108، 2002.
[1] – تذكر بعض المصادر أن نسب السعديين لم يكن عليه إجماع، وأنهم انتحلوه فقط بهدف استغلاله بهدف تحقيق شرعية الحكم، للمزيد من الإطلاع حول هذا الموضوع يرجى الرجوع إلى: (مؤرخ مجهول، تاريخ الدولة السعدية، مصدر سابق، ص 13) أو (دي طوريس دييكو، تاريخ الشرفاء، مصدر سابق، صص13-14 ).
[2] – كريم عبد الكريم، المغرب في عهد الدولة السعدية، منشورات جمعية المؤرخين المغاربة، ط 3، الرباط، 2006، ص 40.
[3] – أكنوش عبد اللطيف، تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية في المغرب، افريقيا الشرق، الدار البيضاء، 1980، ص 98.
[4] – التازي عبد الهادي، الوسيط في التاريخ الدولي للمغرب، دار نشر المعرفة، الرباط، 2001، ج2، ص 293.
[5] – الفشتالي عبد العزيز، مناهل الصفا في مآثر موالينا الشرفا، دراسة وتحقيق كريم عبد الكريم، مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والثقافة، صص 185،187،189.
[6] – القبلي محمد، مراجعات حول المجتمع والثقافة بالمغرب الوسيط، دار توبفال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1987.، ص، 124.
[7] -لطفي عيسى، المضاعفات الاجتماعية والسياسية لتجربة التصوف بالمغرب الأقصى خلال القرنين 15 و 16: الطائفة الجزولية نموذجا، المجلة التاريخية المغاربية، عدد 107-108، 2002، صص 209-241.
[8] -نفسه.
[9] – الإفراني محمد الصغير، نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي، تقديم وتحقيق عبد اللطيف الشادلي، الطبعة الأولى، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1998، ص 43.
[10] – نسب الأشراف السعديين: القائم بأمر الله “محمد بن محمد بن عبد الرحمان بن علي بن مخلوف بن زيدان بن أحمد بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي محمد بن عرفة بن الحسن بن أبي بكر بن علي بن حسن بن أحمد بن اسماعيل بن قاسم بن محمد النفس الزكية بن عبد الله الكامل بن حسن المثنى بن الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم (الناصري أحمد بن خالد، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى الدولة السعدية، ج5، تحقيق وتعليق جعفر لناصري ومحمد الناصري، دار الكتاب، الدار البيضاء، 1418ه-1997م، ص 3.)
[11] -الفيلالي عبد الكريم، التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير، ج3، الطبعة الأولى، شركة ناس للطباعة، القاهرة، 2006، ص 299.
[12] – القبلي محمد، المجتمع والحكم والدين بالمغرب في نهاية العصر الوسيط، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، ط 1، 2017، صص 355-356.
[13]– نفسه، ص 355.
[14] -رحمة بورقية، الدولة والسلطة والمجتمع: دراسة في الثابت والمتحول في غلاقة الدولة بالقبائل في المغرب، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1991، ص. 41.
[15] – القبلي، مراجعات حول المجتمع والثقافة بالمغرب الوسيط، م س، ص، 126.
[16] – الوزان الحسن، وصف افريقيا، ترجمة محمد حجي، محمد الأخضر، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثانية، ج1، بيروت، 1983، ص 216.
[17] – القبلي ، مراجعات حول المجتمع والثقافة بالمغرب الوسيط، م س، ص 105.
[18] – حركات ابراهيم، المغرب عبر التاريح، ج2، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1978، ص 273.
[19]– بوطالب ابراهيم، وآخرون، تاريخ المغرب، ترجمة: الغرايب محمد وعبد العزيز بلفايدة ومحمد العرجوني، ط، 1، الرباط، مطابع الرباط نت، 2018، ص 273.
[20] -يرجى الرجوع إلى هامش الصفحة 126 من كتاب “مراجعات حول المجتمع والثقافة بالمغرب الوسيط” لمحمد القبلي.
[21] -ضريف محمد، مؤسسة الزوايا بالمغرب، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، الطبعة الأولى 1992، ص 27.












اترك تعليقاً
لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *