728 x 90

مسألة المنهج في دراسة التراث بين الجابري و طه عبد الرحمن. الدكتور محمد ايت همو عدي

مسألة المنهج في دراسة التراث بين الجابري و طه عبد الرحمن. الدكتور محمد ايت همو عدي

مسألة المنهج في دراسة التراث بين الجابري و طه عبد الرحمن

الدكتور محمد ايت همو عدي

أستاذ زائر بكلية الآداب واللغات والفنون القنيطرة

باحث في الدراسات الأدبية والثقافية

 

مقدمة:

يعتبر التراث مسألة فكرية ومعرفية محورية، وتحتل مكانة هامة في الفكر والعقل العربي والإسلامي، كما تعد محددا أساسيا في علاقته بالآخر أي الغرب، وما أنتجه من معالم حضارية، فرضت تحديات جديدة على العالم العربي والإسلامي، من خلال ظاهرة العولمة وتجلياتها الثقافية والحضارية، واهتمام المفكرين والمثقفين العرب بذلك.

نحاول، تبعا لهذا السياق، الوقوف على جانب من أعمال مفكرين رائدين وهما طه عبد الرحمن من خلال كتابه “تجديد المنهج في تقويم التراث” ومحمد عابد الجابري عبر منتوجه الفكري الموسوم بـ” التراث والحداثة: دراسات ومناقشات”، حيث ينتظم عملهما في سياق واحد محدد: دور التراث في بناء الحضارة الاسلامية العربية المعاصرة، توجهه إشكالية مركزية كبرى إشكالية علاقة التراث والحداثة في المجتمعات الإسلامية -العربية، حيث يتجه المشروعان معا إلى ضرورة المنهج في دراسة التراث، لكن يختلفان في كيفية وطبيعة هذا المنهج ومنطلقاته وبواعثه وآليات اشتغاله ، هذه الاختلافات، نعتبرها أسئلة جديدة تدعو إلى المزيد من التفكير في سؤال وظيفة ودور التراث في بناء صرح الحداثة العربية الاسلامية

من هذا المنطلق سنحاول طرح أفكار كلا المفكرين[1] حول هذا الاشكال: علاقة التراث بالحداثة أو البناء الحضاري للأمة الإسلامية، مع التركيز على مسألة المنهج الذي يطرحه الطرفين في التعامل مع التراث، والمنهجية التي سنتبعها في بلوغ المقصد من هذا التقرير، طرح رؤية الكاتبين حول مسألة طبيعة المنهج الذي يجب اتباعه في دراسة التراث.

 

  1. التراث والمنهج والحداثة عند الجابري

يتمحور موضوع كتاب “التراث والحداثة” لمحمد عابد الجابري، حول مسألة المنهج والرؤية في الدراسة التراثية، وهو نتاج مجموعة من الدراسات والمناقشات انجزها الكاتب في اوقات متباعدة دامت ربع قرن جمعتها وحدة الموضوع هاجسها كما يوضح الجابري” العمل على بلورة رؤية جديدة لتراثنا العربي الاسلامي باصطناع منهجية حديثة في الفهم والافهام”[2]

وهذا الكتاب ينقسم إلى ثلاثة أقسام، يضم أولها أبحاثا تتناول مسالة المنهج والرؤية تناولا مباشرا تنظيرا وتطبيقا، بينما يطرح ثانيها مجموعة من الدراسات القطاعية أو تطبيق ميدانية للمنهج الذي اختاره عابد الجابري، ليختتم الكتاب في الاخير بقسم ثالث يضم مجموعة من المناقشات التي قام بها الكاتب مع عدة باحثين و دارسين في الميدان.

كما يحاول الكتاب من خلال مضامينه مناقشة عدة اشكاليات نوردها كالتالي:

كيف نتعامل مع التراث ؟ سؤال اخر ملازم له كيف نتعامل مع عصرنا ؟

كيف نتعامل مع الفكر العالمي المعاصر ؟

  • علاقة التراث بالحداثة عند محمد عابد الجابري

في علاقة الحداثة و التراث يرى محمد عابد الجابري انه لابد من تجاوز “الفهم التراثي للتراث”[3] – وهو فهم لايزال سائدا نوعا ما حسب تقدير الجابري- إلى فهم حداثي إلى رؤية عصرية له، فالحداثة كما يرى محمد عابد الجابري لا تعني رفض التراث ولا القطيعة مع الماضي بقدر ما تعني الارتفاع بطريقة التعامل مع التراث. فطريقنا الى الحداثة يجب ان ينطلق من “الانتظام النقدي” لثقافتنا العربية نفسها بهدف تحريك التغيير فيها من الداخل[4]، من هذا المنطلق يرى محمد عابد الجابري إنه لا جدوى من استنساخ النموذج الحداثي الاوربي وذلك لسبب واضح هو انتظام هذا النموذج في سياق التاريخ الثقافي الاوربي و هذا ما يجعل لا يتلاءم مع معطيات الثقافية العربية لكونه لا ينتظم في تاريخها.

إذن فالحداثة بهذا الاعتبار تعني أولا وقبل كل شيء حداثة المنهج والرؤية، وذلك بهدف تحرير تصورنا الجامد للتراث، بهذا فالمجتمعات لابد لها من أن تصنع حداثها وفق السياق التاريخي والثقافي والاجتماعي الخاص هذا من جهة، ومن جهة اخرى لا بد من تجديد منهج دراستنا ورؤيتنا للتراث الذي يعد مرتكزا لحداثة عربية نوعية.

كما أن ضرورة صناعة الحداثة تقتضي حسب رؤية الجابري الاستناد على ركيزتين اساسيتين:

الركيزة الأولى: العقلانية.

الركيزة الثانية: الديمقراطية.

بحيث يؤكد عابد الجابري على ان العقلانية التي تسود في جو ديمقراطي هي الطريق الأنسب لتأسيس حداثة خاصة بنا، تنقلنا من مجرد منفعلين الى فاعلين في ظل الحداثة “العالمية”.

بهذه الرؤية يربط الجابري العلاقة القائمة بين التراث و الحداثة، هذه العلاقة احالته الى التساؤل حول ماهية التراث، و الطريقة أو بتعبير أصح المنهج الذي يجب ان نعتمده في دراسة هذا التراث الذي يعد سبيلا نحو خلق حداثتنا.

  • التراث ومسألة المنهج عند الجابري

يبتدأ الجابري معالجته لمفهوم التراث بتساؤل التالي: كيف يتحدد مفهوم التراث في خطابنا العربي المعاصر؟

فمفهوم التراث بما يحمله من اشباع في خطابنا، يجعله غير قابل للنقل بكل شحناته الوجدانية ومضامينه الاديولوجية إلى أي لغة اخرى معاصرة. وحسب المعاجم و التفاسير وكتب الفقه الاسلامي يلاحظ أن أي من مشتقات مادة (و.ر.ث) قد استعملت قديما في معني الموروث الثقافي والفكري، وهذا المعني هو المتداول في خطابنا المعاصر، بخلاف ما كان يعنيه في الخطاب العربي القديم حيث كان دائما يدل على المال أو الحسب.

إن مفهوم التراث بمعنى الموروث الثقافي والفكري والديني والفني، هو المضمون الذي يحمله المصطلح داخل خطابنا العربي المعاصر ملفوفا في بطانة وجدانية اديولوجية وهو الشيء الذي لو يكن حاضرا لا في خطاب أسلافنا ولا في حقل تفكيرهم[5].

وفي توصيف لحضور التراث في الفكر العربي المعاصر يقول الجابري:” التراث قد أصبح بالنسبة الوعي العربي المعاصر عنوانا على حضور الأب في الإبن، حضور السلف في الخلف، حضور الماضي في الحاضر…” وبالتالي فالتراث هو خلاصة اندماج الوجداني والمعرفي والاديولوجي ( العقيدة والشريعة واللغة والأدب والفن والكلام والفلسفة والتصوف …).

وبعد ان وضح الجابري الكيفية التي يحضر بها التراث في الفكر العربي المعاصر، انتقل الى الطرق التي وظف بها الخطاب النهضوي- حسب تعبير الجابري- العربي الحديث مفهوم التراث، بحيث وظف على وجهين:

الأول: باعتباره ميكانيزما نهضويا.

الثاني: بوصف دعامة من أجل تاكيد الوجود واثبات الذات في ظل التحديات التي يفرضها الغرب.

لكن الاشكال الذي يكشفه الكاتب في هذا السياق هو التناقض الحاصل بين حضور بقوة في الوعي العربي المعاصر و بين بعده الموضوعي التاريخي عن اللحظة الحضارية المعاصرة، وهذا يعني أنه “تراث” غير معاصر لنفسه غير معاصر لأهله.

ومن منطلق هذا الحضور التناقضي للتراث في الفكر العربي المعاصر يطرح عابد الجابري ضرورة تحديد المنهج المناسب لدراسة هذا التراث من اجل استعمال بشكل صحيح في بناء المسار الحداثي العربي، فما طبيعة هذا المنهج الذي يطرحه الجابري وما هي آليات اشتغاله.

ان ما أسلفنا ذكره من اشكاليات حول علاقة الحداثة بالتراث، وهذا التناقض الحاصل في مفهوم التراث ولد لدى عابد الجابري مشكلة المنهج فتساؤل حول طبيعة المنهج المناسب لدراسة هذا التراث. وعلى خلفية هذا التناقض بين مكونات التراث ” الذاتوية” و “الموضوعية” تطرح مشكلتين أساسيتين على صعيد المنهج؛ مشكل الموضوعية ومشكل الاستمرارية. كيف ذلك؟

مشكل الموضوعية: ويطرح نفسه على مستويين؛ مستوى فصل الموضوع عن الذات ومستوي فصل الذات عن الموضوع، وكلا المستويين متداخلين لكن رغم ذلك فالجابري يرى ضرورة الفصل بينهما فصلا منهجيا، من أجل تحقيق الحد الأدنى من الموضوعية, هذه الاخيرة تعد اللحظة الأولى في اطار المنهج الذي يقترحه الجابري في دراسة التراث والتي تمر عبر ثلاثة خطوات:

  • المعالجة البنيوية للتراث وما يتضمنه من نصوص وذلك مع مراعاة تجنب قراءة المعنى قبل قراءة الألفاظ، بحيث يكون فهم الالفاظ وسياقاتها سبيلا لاستعاب المعنى.
  • التحليل التاريخي: والغرض منه وضع فكرة صاحب النص المعالج بنيويا في سياقها التاريخي بكل أبعاده الثقافية والسياسية والاجتماعية.
  • الطرح الايديولوجي: وهو يروم الكشف عن الوظيفة الايديولوجية والاجتماعية والسياسية للفكر المعني.

أما اللحظة الثانية فهي لحظة الاتصال بهذا التراث والتواصل معه وهي اللحظة التي تُطرح فيها مشكلة الاستمرارية، وهذه اللحظة مهمة في نظر الجابري لماذا؟ لأن التراث تراثنا نحن وفصلناه عنا في اللحظة الأولى لنعيده إلينا في صورة جديدة وبعلاقات جديدة ونجعله معاصرا على صعيد الفهم والمعقولية، وبهذا تكون “الروح النقدية الجديدة” و “العقلانية” وسيلتين هامتين في تحقيق الحداثة العربية.

  1.  تجديد المنهج في تقويم التراث، لطه عبد الرحمن

بعد أن طرحنا، رؤية محمد عابد الجابري حول التراث وطبيعة المنهج الذي يحبذ اتباعه في دراسة، سنعرض فيما نستقدمه فقرات وجهة نظر اخرى حول التراث ودوره ومنهج دراسته، عبر عرض مضامين كتاب طه عبد الرحمن ” تجديد المنهج في تقويم التراث”

فهذا الكتاب يضم دعوة صريحة إلى القراءة المتأنية المتبصرة للأعمال السابقة، أو للموروث المكتوب كيفما كانت طبيعته، أدبا، وتاريخا، فلسفة.. إلخ، بناء على نظريات، واستنادا إلى آليات، وعملا بمنهجيات، اختراقا للحواجز، ونهوضا بالتراث، وتحقيقا لتواصل أكثر فعالية، وأجدى نفعا.

اهتم الدكتور طه عبد الرحمان في مؤلفه بطرح اجتهاداته ونظرياته، التي تستهدف الدفاع عن التراث في شموليته وتكامله، وتحليل آلياته، والأدوات التي توسل بها أو استخدمها، بغرض إثبات التقويم التكاملي للتراث، وإلغاء التقويم التفاضلي بناء على أدلة وبراهين وممارسات حية منهجية للتراث تؤدي إلى النتائج المتوخاة، برهنة ودلالة على ما للموضوع من أهمية، وما للاجتهاد من فعالية في إبطال الدعوى التجزيئية في تقويم التراث.

يضم الكتاب “تجديد المنهج في تقويم التراث” أبوابا رئيسية ثلاثة، ينتظم كل باب في فصول بنيتها “دعاوى” ارتكز عليها في نظريته في تقويم التراث، وعمل على البرهنة على صوابها، وإقامة الدليل على منطقيتها.

الباب الأول : وخصه لإبطال التقويم التفاضلي للتراث الإسلامي العربي، اعتمادا على مبادئ نظرية، وأخرى عملية، تؤديان في النهاية إلى التدليل على صدق المقولة، والعمل بمقتضاها.

ومن المبادئ التي ارتكز الباحث عليها الدعوة إلى التخلص من الأحكام السابقة التي تعود الباحثون إلصاقها بالتراث، انطلاقا من الفصل الذي يقعون فيه بين الجانب المعرفي والجانب السلوكي، وضرورة تحصيل المعرفة الشاملة بمناهج المتقدمين لوضع نظريات جديدة تسعف على استعادة وحدة العلم والعمل بالصواب كما أقرها أصحاب التراث.

تهتم فصول “الباب الأول” الثلاثة بمناقشة دعوى التقويم التجزيئي للتراث، حيث ينزع المؤلف فيها إلى رفض الدعوى التجزيئية التي تسيء إلى الفهم الجيد للتراث، اعتمادا على آليات يعتبرها الكاتب فوقية (عقلانية، إيديولوجية) لا تسعف على تقويم التراث بموضوعية ونزاهة، وبذلك ينصب الاهتمام على نماذج تراثية دون أخرى، ويحصل التقطيع والتجزيء الذي يفوت على الباحث الدراسة الشمولية المتوقعة.

ويرى المؤلف أن كتابات الدكتور الجابري في موضوع التراث، تمثل نموذجا لدعوى التعارض في تقويم التراث، منطلقا من آراءه التي تأسست عليها نظريته تحليلا ونقاشا، لينتهي إلى التعارض والتناقض الحاصلين في ذلك التقويم، على خلاف ما تم طرحه على المستويين النظري والآلي.

الباب الثاني : ويبسط فيه المؤلف الحديث عن النظرة التكاملية للتراث انطلاقا من معيارين :

أولهما : تحقق التداخل والتقريب في مجموع المعارف التراثية، مع ما يلزم ذلك من النظر والتمحيص في العلوم الأقرب والأبعد إلى المجال التداولي الإسلامي العربي، وحددها في أربعة علوم :”أصول الفقه”، “علم الأخلاق”، “المنطق الصوري”، “الفلسفة الإلهية”.

وثانيهما : ويتعرض لشرائط الرد على اعتراضات خصوم النظرة التكاملية، وما صاحبها ليس فقط، من تجزئ معرفي، ولكن أيضا من تجزئ قطري : مشرقي/ مغربي أندلسي.

وتوزع هذا الباب إلى فصول ثلاثة :

عالج أولها التقويم التكاملي والبناء الآلي للتراث من حيث كونه يهتم باستكشاف الآليات الإنتاجية التي تصلح لمختلف العلوم، وتستحكم في مضامين النصوص التراثية، وهي آليات مادية وأخرى صورية.

ويرى المؤلف أن علاقة الآلية بالعلم علاقة جذرية، تلبس لكل حالة لبوسا، فاصطبغت في تعاملها أو استيعابها للمضمون التراثي بصبغات الخدمة والعمل والمنهج، وفي كل صبغة تبدو ملامح العلاقة قوية بين الآلية والتراث في التناول والمقصدية والنتائج.

وعالج ثاني الفصول التداخل المعرفي الداخلي وتكامل التراث، باعتبار التداخل في العلوم ناتجا عن الممارسة التراثية تراتبيا وتفاعليا.

ويستشهد طه عبد الرحمان في تحليله ونقاشه وبرهنته على صدق دعواه بما ورد في المصنفات الإسلامية الشهيرة، وآراء مؤلفيها الواضحة في الطرح والتناول، كما عند “ابن حزم” في رسالة “مراتب العلوم” و”الغزالي” في “ميزان العمل” و”الشاطبي” في “الموافقات”.

أما ثالث الفصول، فهو أغناها وأكثرها ملامسة لجزئيات الدعوى المطروحة حول التداخل المعرفي الخارجي وتكامل التراث، ممثلة في إنتاج “ابن رشد” في مجال الفلسفة الإلهية، مبرزا أن التشكل بين العلوم لا يعني الانفصام، وإنما يعني الترابط والمطابقة، إضافة إلى أن مسألة التداخل واردة فيما أسماه “بالمسكوت عنه” في النصوص الرشدية.

ويتوسل المؤلف في تناول هذا العنصر بآليات وضبط قسمها قسمين : استشكالية واستدلالية.

الباب الثالث : ويجعله المؤلف لتحليل ونقاش دعوى” التقريب التداولي” كمنفذ إلى النظرة التكاملية إلى التراث الإسلامي العربي، من حيث التنوع والتفاعل والاستمرار، باعتبار التقريب ” وصل المعرفة المنقولة بباقي المعارف الأصلية”[6] ص :237.

تنتظم هذا الباب أربع فصول يطبعها التسلسل والإحكام في تقديم الدعاوى والاستدلال على صحتها وصوابها، وتبيان خصائصها، فتنهض العبارة بمهمتها، كاشفة عن دلالتها، معبرة عن روحها كما أراد ذلك المؤلف.

يتناول الفصل الأول “أصول مجال التداول الإسلامي العربي” باعتباره “الدعامة الأساسية التي تستند إليها نظرية المؤلف في تكامل التراث”، وكذا باعتباره أداة من أدوات تقويم التراث، فيهتم بتحديد مفاهيمه، وتبيان أركانه وقواعده، والإجابة عن كل الأسئلة المفترضة حوله، فيشرح ويحلل ويناقش، وينتهي إلى استخلاص النتائج المتوقعة بعد طرح الدعاوى المفترضة، ومن ثم يتحدد المجال التداولي الإسلامي العربي في العقيدة واللغة والمعرفة.

أما الفصل الثاني فيهتم “بأصول التقريب التداولي الإسلامي العربي”، محللا عناصره الثلاثة، مستدلا بما ورد في كتابات الفلاسفة والمناطقة وعلماء الشريعة وغيرهم.

يرتكز العنصر الأول “خصوصية التقريب التداولي” على مبدأين: التمييز والتضاد، ومن خلالهما تتكشف الدعوى الخاصة بالتقريب بمفاهيمها وأوصافها في حالات متعددة : (التوفيق، التسهيل، المقاربة، التطويل، التهويل، والتعطيل).

ويرتكز العنصر الثاني “الآليات الصورية للتقريب التداولي” على أنوع كثيرة من آليات يقتصر على أهمها مادامت تفي بالمقصود وهي : آلية الإضافة والحذف، والإبدال والقلب، والتفريق والمقابلة.

فبعد التعريف بهذه الآليات ينتقل المؤلف إلى المجال التطبيقي ليثبت الدعاوى المثارة، ويؤكد صدق التوجه في الطرح، وكان مجال التحولات التي أحدثتها الآليات منصبا على موضوعين : وظيفة المنطق، مضمون الفلسفة.

أما العنصر الثالث، فهو “ضروب الإخلال بشرائط التقريب التداولي”، فائدة التقريب في مخالفته المنقول، بواسطته يثمر وينتج ويتحرك، فتزداد حظوظ عطائه وإثماره.

ونقاشا لفكرة، وإثباتا لها، يعمد المؤلف إلى تناول ضروب التقريب الفاسد وشرائطه وآفات وظائفه التداولية، مفصلا القول في شرائط التقريب الثلاثة : الأصلي، والتصحيحي، واليقيني، ومبديا أوجه الاختلاف والاتفاق بين كل نوع في حالتي السلب والإيجاب.

ويأتي الفصل الثالث “آليات تقريب المنطق اليوناني”، تطبيقا للدعاوى المطروحة في الممارسة التراثية في المنقول المنطقي.

تتوزع هذا الفصل مباحث تنهض بتحليل ونقاش موضوع علم المنطق المعنوي والفكري، ومنهجه التجريدي، سواء تعلق الأمر بالعمل في التقريب اللغوي “الاستعمال”، أو العقدي “الاشتغال” أو المعرفي ” الإعمال”.

ويختار المؤلف ثلاثة نماذج ليقع عليها تطبق الدعاوى بكثير من الحذر والحيطة في التناول ( ابن حزم، الغزالي، ابن تيمية).

الفصل الرابع ” التقريب التداولي لعلم الأخلاق اليوناني”، وينصرف فيه المؤلف إلى علاج موضوع علم الأخلاق في الممارسة التراثية اليونانية، مقاربة بما ورد في الممارسة التراثية الإسلامية، فيناقش الآراء المختلفة في أدق جزئياتها، وأخص ليوناتها، مع الإلحاح على الصلة المتينة التي تربط الشريعة الإسلامية ومدى استفادتها من النظريات الأخلاقية اليونانية والفارسية، أو فيما سماه المؤلف “الكليات الأخلاقية الفطرية”.

وقد اهتمت مباحث الفصل بالتقريب اللغوي في علاقة المعنى الاصطلاحي الأخلاقي بالمعنى اللغوي والتقريب العقدي، من حيث المفهوم، ومن حيث المبدأ والتقريب المعرفي اعتمادا على علاقة العقل باللغة.

وينهي المؤلف كتابه بملخص شامل لأهم محاوره وفصوله، مبينا المنهج الصارم الذي سلكه في التحليل والنقاش، منتهيا إلى النتائج المتوصل إليها على المستويين التجزيئي والتكاملي الداخلي، منتصرا لعطاء التراث بعد أن تعرض للإهمال والتشنيع.

لقد حاولت في هذا المقال التركيز على الجوانب الأساسية والهامة  التي تناولها كتاب “تجديد المنهج في تقويم التراث”، مبرزا المراحل التي قطعها المؤلف، وهو يلم شتات موضوعه المتشابك، بعد أن نظر في هذا التراث، وأبان عن آليات تقويمه بمنهج جديد يتوخى تقصي جزئياته، بأدوات إجرائية وآليات عملية، تحمل على النظر في التراث نظرة تكاملية لا تجزيئية، وتدعو إلى إعادة النظر فيه بروح الجدال الهادئ وآداب الاعتراض الراسخ، وأن الباب الواسع لدراسة هذا التراث وسبر أغواره الممتدة يكمن في اعتماد منهج يرتكز على تكامل المعرفي، أو ما يمكن أن يصطلح عليه في الدراسات النقدية الأدبية والثقافية بالنقد ال

[1] – نشير هنا إلى أن كتاب طه عبد الرحمن “تجديد المنهج في تقويم التراث” جاءت مضامينه عبارة عن قراءة نقدية للمشروع الفكري لمحمد عابد الجابري.

[2] – محمد عابد، الجابري، التراث والحداثة دراسات ومناقشات، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط.1، 1991

[3] – ويقصد الجابري بهذا الفهم هو اعادة انتاج القديم في الفكر العربي منذ القرن السابع مما سبب التكلس والتقوقع والاجترار.

[4] – نفس المرجع، ص 16

[5] – محمدعابد، الجابري، مرجع سابق، ص 23

[6] – طه، عبد الرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي، ط.2، 1993

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

آخر المقالات