728 x 90

العنف والحياة المدرسية دة:- مريم بلفقيه

العنف والحياة المدرسية دة:- مريم بلفقيه

العنف والحياة المدرسية

دة:- مريم بلفقيه

 

 

مقدمة

تُعرف الحياة المدرسية بأنها صورة مصغرة للحياة الاجتماعية، يتدرب فيها المتعلمون على قيم المواطنة، الديمقراطية، والتعايش السلمي. إلا أن هذه المنظومة باتت تواجه تحدياً خطيراً يهدد سلامتها البنيوية، ويتجلى في تصاعد حدة العنف المدرسي. لم يعد العنف مجرد سلوك معزول، بل تحول إلى ظاهرة تؤرق الفاعلين التربويين والأسر على حد سواء، مما يدفعنا إلى التساؤل: ما هي أبرز مظاهر هذا العنف؟ وما هي جذوره العميقة؟ وكيف يمكننا صياغة استراتيجيات فعالة لإعادة الدفء التربوي إلى مدارسنا؟

  1. تجليات ومظاهر العنف في البيئة التعليمية

لا يتخذ العنف في المدارس شكلاً واحداً أو نمطاً سلوكياً ثابتاً، بل يمتد عبر أبعاد سيكولوجية وسوسيولوجية مختلفة، مشكّلاً شبكة معقدة من الممارسات العدوانية التي تقوض أركان المنظومة التربوية وتضرب في العمق مفهوم “الأمن الإنساني والتربوي” داخل فضاء المؤسسة. ويمكن تصنيف هذه المظاهر وتفكيكها إلى ثلاثة أبعاد رئيسية:

أ. العنف المادي والجسدي (Physical Violence)

هو التعبير الأكثر راديكالية ومباشرة عن العدوانية، ويشمل كل اعتداء مادي ملموس يلحق ضرراً بجسم الضحية أو بمحيطها المادي.

مظاهره: يتجلى في المشاجرات الثنائية أو الجماعية بين المتعلمين، استخدام الأدوات الحادة داخل الحرم المدرسي، والاعتداء الجسدي المباشر على الأطر الإدارية والتربوية (الأساتذة والإداريين) كشكل من أشكال التمرد على السلطة الرمزية للمدرسة. كما يمتد ليشمل “العنف التخريبي” الموجه ضد ممتلكات المؤسسة (تكسير الطاولات، تلطيخ الجدران، إتلاف المختبرات).

الإحالة العلمية: يشير عالم الاجتماع الفرنسي إيريك ديباربيو (Éric Debarbieux)[1]، المتخصص في العنف المدرسي، إلى أن “العنف المادي داخل المؤسسات ليس مجرد سلوك طائش، بل هو تعبير عن تدهور الرابط الاجتماعي وشعور المتعلم بالإقصاء، حيث يتحول تخريب الممتلكات إلى لغة بديلة للاحتجاج عندما تعجز القنوات التربوية عن استيعاب قلق الشباب”

ب. العنف اللفظي والرمزي (Verbal and Symbolic Violence)

هو عنف غير مادي لكنه يمتلك قدرة تدميرية موازية للعنف الجسدي، حيث يستهدف البنية النفسية للمتعلم ويهدم تقديره لذاته. يشمل السب، القذف، إطلاق الألقاب المهينة، السخرية المقيتة من القدرات الذهنية أو المظهر الخارجي للمتعلم. ويندرج تحت هذا النطاق التنمر المدرسي (School Bullying) الذي أخذ أبعاداً مقلقة؛ وهو سلوك عدواني متكرر يمارسه فرد أو مجموعة ضد مستضعف. كما يشمل العنف الرمزي (حسب مفهوم بيير بورديو) إقصاء التلميذ اجتماعياً أو دفعه للشعور بالدونية بسبب خلفيته الطبقية أو الثقافية.

تؤكد منظمة اليونيسف (UNICEF) في تقاريرها الدولية حول البيئة الآمنة أن “العنف اللفظي والتنمر المستمر يرفعان من معدلات الاكتئاب الحاد وتشتت الانتباه لدى الضحايا، مما يترك ندوباً نفسية غائرة تؤثر على نموهم السلوكي على المدى الطويل”[2]. سوسيولوجياً، يوضح بيير بورديو (Pierre Bourdieu)[3] أن “العنف الرمزي يعمل بشكل غير مرئي ويفرض نوعاً من الهيمنة النفسية التي تجعل الضحية يتقبل وضعه الإقصائي، مما يولد لديه شحنات عدوانية كامنة قد تنفجر في أي لحظة”

ج. العنف الرقمي والإلكتروني (Cyberbullying)

مع الطفرة التكنولوجية الهائلة، لم يعد العنف حبيس الجدران الإسمنتية للمدرسة، بل امتد ليتخذ شكلاً افتراضياً عابراً للزمان والمكان، وهو ما يُعرف بالبلطجة الإلكترونية.

يبدأ الخلاف غالباً داخل الفصول الدراسية، لكنه يمتد ويتغذى عبر منصات التواصل الاجتماعي (Facebook, Instagram, TikTok) من خلال إنشاء مجموعات سرية للتشهير بالزملاء أو الأساتذة، نشر صور ومقاطع فيديو مفبركة أو مأخوذة دون إذن، وبث شائعات مغرضة تدمر السمعة الاجتماعية للضحية. خطورة هذا النوع تكمن في أنه ممتد على مدار 24 ساعة ولا ينتهي بمغادرة المدرسة.

في دراسة شاملة نشرتها منظمة اليونسكو (UNESCO)[4]، تبين أن “العنف الإلكتروني المرتبط بالمحيط المدرسي يضاعف من نسب الهدر والانقطاع عن الدراسة، لأن الضحية يشعر بتجريده من ملجئه الآمن (المنزل)، حيث تلاحقه السخرية والتهديدات عبر شاشته في كل وقت، مما يؤدي إلى تزايد حالات القلق الاجتماعي الحاد”.

2- الخلفيات والأسباب المغذية للسلوك العدواني

إن مقاربة ظاهرة العنف المدرسي تقتضي عدم الوقوف عند تمظهراتها الخارجية فقط، بل الغوص في تفكيك شفراتها وجذورها العميقة. السلوك العدواني داخل الفضاء التربوي ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تفاعل ديناميكي وتداخل معقد بين بنيات متعددة: أسرية، واجتماعية واقتصادية، ومؤسساتية، وإعلامية، تشكل في مجموعها بيئة حاضنة ومغذية للظاهرة:

  • العوامل الأسرية وسياقات التنشئة الاجتماعية (Family Factors)

تعتبر الأسرة النواة الأولى التي يتلقى فيها الطفل أبجديات السلوك والتفاعل الاجتماعي. وعندما يصاب هذا النسق بخلل وظيفي، تنعكس الآثار مباشرة على سلوك المتعلم في المدرسة.

يتجلى ذلك في غياب قنوات الحوار الأفقي بين الآباء والأبناء، وحالات التفكك العائلي الناتجة عن الطلاق أو الهجر. كما أن اعتماد أساليب تنشئة سلطوية قائمة على القسوة، الضرب، والاضطهاد، أو على النقيض تماماً، التدليل المفرط والإهمال العاطفي، يحرم الطفل من تطوير آليات التكيف النفسي السليم.

يرى عالم النفس ألفرد أدلر ([5]Alfred Adler) في تحليلاته لعقد النقص، أن الطفل الذي يعاني من القسوة أو الإهمال الأسري يطور شعوراً حاداً بالدونية؛ ولكي يعوض هذا النقص، يلجأ في فضائه الجديد (المدرسة) إلى سلوكيات عدوانية كآلية دفاعية لإثبات الذات وتحقيق السيطرة.”كما تؤكد الدراسات السيكولوجية الحديثة أن الأطفال الذين يقعون ضحايا للعنف المنزلي غالباً ما يعيدون إنتاجه في ساحات المدارس.[6]

ب. العوامل السوسيواقتصادية والمجالية (Socio-Economic Factors)

المدرسة ليست جزيرة معزولة، بل هي مرآة تعكس التناقضات والأزمات التي يعيشها المجتمع بمختلف تجلياتها. ويشكل الفقر الحاد، البطالة المزمنة داخل الأسر، وضعف القدرة الشرائية عوامل ضغط نفسي واقتصادي مستمر. هذا الوضع يزداد تعقيداً في المؤسسات التعليمية المتواجدة بالأحياء الهامشية أو العشوائية المحيطة بالمدن، حيث تنعدم المرافق الأساسية وتنتشر الجريمة والتعاطي للمخدرات. هذا التفاوت الطبقي يولد لدى التلميذ إحباطاً اجتماعياً دفيناً وشعوراً بالظلم، يتم تفريغه بشكل عنيف ضد المؤسسة التي يراها رمزاً للنظام الاجتماعي الإقصائي.

يؤصل عالم الاجتماع الأمريكي روبرت ميرتون [7](Robert Merton) لهذه الظاهرة عبر “نظرية الانحراف” (Strain Theory)، حيث يوضح أن العنف والانحراف يظهران عندما يعجز الأفراد (خاصة الفئات الهامشية) عن تحقيق الأهداف والنجاحات التي يفرضها المجتمع عبر الوسائل المشروعة، مما يخلق ضغطاً نفسياً يدفعهم لتبني سلوكيات متمردة وعدوانية ضد المؤسسات.

ج- العوامل المؤسساتية والتربوية (Institutional and Professional Factors)

تتحمل المنظومة التربوية في بعض الأحيان جزءاً من المسؤولية، حين تعجز عن استيعاب التغيرات السيكولوجية للمتعلمين وتتحول إلى مصدر للضغط بدل الدعم.

يساهم النقص الحاد في فضاءات الترفيه، غياب الأنشطة الثقافية والموازية (مسرح، موسيقى، رياضة)، وجفاف الزمن المدرسي من الأبعاد الإنسانية في خلق حالة من الرتابة والملل. ويترافق ذلك مع تدني جودة التواصل الإنساني والتربوي بين الطاقم الإداري والتعليمي من جهة والتلاميذ من جهة أخرى، واعتماد أساليب بيداغوجية جافة تركز على الحشو المعرفي وتغفل الإنصات لنبض المتعلم ومشاكله.

في الأبحاث الأكاديمية الصادرة عن جامعة 8 ماي 1945 بقالمة (Université 8 Mai 1945 Guelma)، والتي ناقشت سوسيولوجيا العنف المدرسي، تم التأكيد على أن المؤسسة التعليمية التي تفتقر لاستراتيجيات الاحتواء النفسي والأنشطة الإبداعية، وتعتمد فقط على الصرامة الإدارية الجافة، تسهم عن غير قصد في شحن البيئة التربوية بالتوتر، مما يحول الفصل الدراسي إلى فضاء للمواجهة الرمزية أو المادية بين المدرس والتلميذ [8]

د- العوامل الإعلامية والثورة الرقمية (Media and Digital Factors)

في العصر الحالي، أصبحت الشاشات والتدفقات الرقمية شريكاً فاعلاً، بل ومنافساً خطيراً للمدرسة والأسرة في صياغة قيم وتمثلات الناشئة.

يتعرض المتعلمون بشكل يومي ومكثف لمضامين رقمية عنيفة، سواء عبر الأفلام، ومقاطع الفيديو المنتشرة على منصات التواصل، أو من خلال الألعاب الإلكترونية الحربية والتفاعلية (Video Games). هذه الوسائط تروج بشكل مستمر لـ “ثقافة القوة” المادية، وتظهر البطل العنيف في صورة المنتصر دائماً، مما ينزع الحساسية الإنسانية تجاه الألم والاعتداء من نفوس الأطفال.

يُفسر عالم النفس ألبير باندورا[9] (Albert Bandura) هذا التأثير من خلال “نظرية التعلم الاجتماعي” أو “التعلم بالنمذجة” (Modeling)، حيث أثبت أن الإنسان يتعلم السلوك العدواني من خلال الملاحظة البصرية والمحاكاة؛ والتعرض المستمر للمشاهد العنيفة في وسائل الإعلام والوسائط الرقمية يوفر للمراهقين نماذج سلوكية جاهزة يتم إسقاطها وتطبيقها تلقائياً عند أول احتكاك أو نزاع داخل الفصل الدراسي

3– تداعيات العنف على المتعلم والحياة المدرسية

لا تقف آثار العنف المدرسي عند حدود لحظة وقوع الاعتداء، بل تمتد لتشكل أزمة بنيوية مستمرة تنتج عنها عواقب وخيمة ومباشرة ومستدامة. هذه التداعيات لا تؤثر فقط على الضحية المباشرة، بل تضرب في العمق المنظومة التعليمية ككل، ويمكن تفكيك هذه الآثار المأساوية إلى ثلاثة أبعاد استراتيجية:

أ- الفشل الأكاديمي والهدر المدرسي (Academic Failure and School Dropout)

يعد التراجع الدراسي والهروب من المدرسة النتيجة المباشرة الأولى لغياب الأمن التربوي داخل المؤسسة التعليمية.

يتسبب شعور المتعلم بالتهديد المستمر في تشتت انتباهه وضعف تركيزه الذهني أثناء الحصص الدراسية. هذا الإحباط والخوف يتحول تدريجياً إلى “فوبيا مدرسية” تتجلى في كثرة الغياب غير المبرر، والتهرب من الامتحانات، وتراجع حاد في المعدلات الدراسية، وينتهي هذا المسار المأساوي بالانقطاع المبكر عن الدراسة (الهدر المدرسي)، مما يحرم المجتمع من طاقات بشرية هامة ويلقي بالشباب إلى مستنقع الجهل أو الانحراف الخارجي.

تؤكد تقارير البرنامج الدولي لتقييم الطلبة (PISA) التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)[10]، أن “الطلاب الذين يبلغون عن تعرضهم للتنمر أو العنف المستمر داخل المدارس يحققون نتائج متدنية جداً في القراءة والرياضيات والعلوم مقارنة بأقرانهم، حيث يساهم المناخ المدرسي العنيف في رفع نسب الفشل الدراسي بـ 3 أضعاف”.

ب. الاضطرابات النفسية والسلوكية الحادة (Psychological and Behavioral Disorders)

يمس العنف الجسدي أو اللفظي أو الرقمي الكرامة الإنسانية للمتعلم، مما يحدث خللاً عميقاً في توازنه السيكولوجي. يدخل المتعلم الضحية في دوامة من فقدان الثقة بالنفس واهتزاز صورة الذات. يتطور هذا الوضع إلى قلق مزمن واكتئاب حاد يرافقه اضطراب في النوم والشهية. وفي كثير من الأحيان، يدفع الخوف الضحايا إلى الانزواء الكامل والانسحاب الاجتماعي. والأخطر من ذلك هو ما يُعرف بسيكولوجيا بـ “نقل العنف”، حيث يتحول الضحية نفسه بفعل الضغط المتراكم إلى شخص عدواني يمارس العنف على من هم أضعف منه، أو يوجه هذا العنف نحو ذاته عبر سلوكيات تدميرية.

يوضح عالم النفس الأمريكي إبراهام ماسلو (Abraham Maslow) [11]في نظريته الشهيرة “هرم الاحتياجات الإنسانية”، أن “الحاجة إلى الأمن تأتي مباشرة بعد الحاجة البيولوجية الأساسية؛ وإذا تعذر تحقيق الأمان النفسي والجسدي للمتعلم داخل الفصل، فمن المستحيل سيكولوجياً أن ينتقل إلى مرحلة التحصيل المعرفي، أو تقدير الذات، أو تحقيق الإبداع”.

ج. تدمير المناخ التربوي وتسميم بيئة الشغل (Destruction of School Climate)

لا تقتصر شظايا العنف على التلاميذ، بل تصيب الهيئة التدريسية والإدارية، وتفرغ “الحياة المدرسية” من محتواها القيمي الإنساني. يتحول فضاء المدرسة بموجب تصاعد حدة التوتر من مشتل لزرع قيم التعايش والمواطنة إلى بيئة طاردة ومشحونة بالخوف والترقب. هذا الوضع يعوق الأستاذ عن أداء رسالته المعرفية والتربوية؛ حيث يُستنزف وقته وجهده في ضبط النظام وفض النزاعات بدل التركيز على الدعم البيداغوجي. كما يؤدي هذا المناخ المتأزم إلى إصابة الأطر التربوية بـ “الاحتراق المهني” (Burnout)، والشعور بالإحباط والمهانة، مما يضعف جودة العطاء التعليمي العام.

يؤكد الباحثان أستور وبينات بينبينشتي (Astor & Benbenishty) [12]في دراساتهما حول أمن المدارس، أن “المحيط المدرسي الذي يتفشى فيه العنف يفقد وظيفته كمؤسسة للتنشئة الاجتماعية ويتحول إلى بيئة سامة؛ حيث يتراجع الرضا الوظيفي لدى المدرسين، وتضعف سلطة الإدارة الرمزية، مما ينتج بيئة تعليمية هشة تغيب فيها شروط الجودة والابتكار”

4– آليات الحد من الظاهرة وتخليق الحياة المدرسية

إن مواجهة العنف في الوسط المدرسي لا يمكن أن تنجح إذا اعتمدت فقط على المقاربات الأمنية أو الإجراءات الزجرية المؤقتة، بل تتطلب الانتقال نحو مقاربة شمولية ومندمجة تتقاطع فيها الأبعاد التربوية، السيكوسوسيولوجية، والقانونية. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تحويل المدرسة من فضاء للتوتر إلى بيئة آمنة وجاذبة تحفز على العيش المشترك وتخلق الحياة المدرسية عبر الآليات التدبيرية التالية:

أ- تفعيل الأنشطة الموازية وتصريف الطاقات الإيجابية (Extracurricular Activities)

لا يمكن فصل العنف المدرسي عن حالة الفراغ الثقافي والرياضي التي تعاني منها بعض المؤسسات، لذا يشكل الإبداع صمام أمان حقيقي.

يكمن الحل في إعادة الروح إلى الأندية التربوية داخل المؤسسات (نادي المسرح، محترفات الموسيقى، أندية الفنون التشكيلية والسينما، ودوريات الرياضة المدرسية). تتيح هذه الفضاءات للمتعلمين قنوات إيجابية لتصريف شحناتهم النفسية وطاقاتهم الحركية الزائدة، وتحويل “السلوك العدواني” إلى “طاقة إبداعية” تبني الشخصية وتنمي الذوق الجمالي.

يبرز هنا المفهوم التربوي للفيلسوف والتربوي جون ديوي[13] (John Dewey) الذي يؤكد أن المدرسة ليست مجرد مكان لتلقين الدروس، بل هي مجرد مجتمع مصغر يجب أن يمارس فيه المتعلم الحياة بكل أبعادها الإبداعية فالأنشطة الموازية تدرب التلميذ على العمل الجماعي وقبول الآخر، مما يقلص من فرص النزاع والصدام.

ب- مأسسة الدعم النفسي والاجتماعي والاستماع (Psycho-Social Support)

يحتاج السلوك العدواني المضطرب إلى فهم جذوره وعلاجه سيكولوجياً قبل اتخاذ أي قرار تأديبي جاف.

تتطلب هذه الآلية توفير أخصائيين نفسيين واجتماعيين ومستشارين في التوجيه التربوي بصفة دائمة داخل المؤسسات التعليمية، وتأسيس “خلايا الإنصات والوساطة”. تتجلى مهمتهم في الرصد المبكر للحالات السلوكية المضطربة (كالعدوانية المفرطة أو الانزواء المفاجئ)، وتقديم الدعم النفسي للضحايا والمُعتدين على حد سواء، باعتبار المُعتدي غالباً ضحية لتنشئة أسرية أو اجتماعية مشوهة تحتاج إلى تقويم سلوكي.

ينطبق هذا الطرح مع نظرية عالم النفس الإنساني كارل روجرز[14] (Carl Rogers) حول “العلاج المتمركز حول العميل/المتعلم”، حيث أثبت أن توفير بيئة قائمة على التقبل غير المشروط والإنصات العاطفي داخل المؤسسة يساعد الأفراد المضطربين على استعادة توازنهم النفسي وتعديل سلوكياتهم تلقائياً دون الحاجة للقمع أو الإكراه

ج- المقاربة التشاركية وتفعيل الوساطة الأسرية (Participatory Approach)

المدرسة لا يمكنها علاج الاختلالات السلوكية بمفردها، بل تحتاج إلى بناء تحالفات قوية مع محيطها المباشر.

تتجسد هذه الآلية في بناء جسور تواصل دائمة وحقيقية بين المؤسسة والأسرة عبر تفعيل دور “جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ”. يتجاوز دور هذه الجمعيات الدعم المادي التقليدي إلى تنظيم ورشات دورية للتوعية، وتوحيد الرؤى التوجيهية بين البيت والمدرسة لمحاصرة السلوكيات السلبية (مثل التدخين أو رفقاء السوء) قبل تفاقمها إلى عنف مادي.

يتماشى هذا النموذج مع أطروحات عالم الاجتماع جيمس كولمان [15](James Coleman) حول “الرأسمال الاجتماعي”، حيث يرى أن النجاح التربوي والانضباط السلوكي داخل المدارس يرتفعان بشكل ملحوظ عندما تتشكل شبكة علاقات قوية ومتماسكة بين المعلمين والآباء، مما يخلق بيئة مراقبة وتوجيه تحيط بالمتعلم في الفضاءين العام والخاص .

د- تطبيق الحكامة وتفعيل التشريعات التشاركية (Governance and Regulations)

يتطلب ضبط النظام داخل المؤسسة الجمع الذكي بين الصرامة القانونية العادلة والالتزام الذاتي النابع من وعي المتعلم.

تشمل تفعيل “مجالس الانضباط” و”المجالس التربوية” بمرونة وعدالة، مع التركيز على العقوبات البديلة ذات الطابع التربوي (مثل تكليف التلميذ المعتدي بتنظيف المكتبة أو زراعة حديقة المدرسة) بدل الطرد الذي يرمي به إلى الشارع ويضاعف عدوانيته. كما تتضمن صياغة “مواثيق القسم” و**”النظام الداخلي للمؤسسة”** بشكل تشاركي يساهم فيه التلاميذ أنفسهم، مما يجعلهم ملتزمين بتلك القواعد طواعية لأنهم شاركوا في وضعها.

تشير أدبيات التدبير التربوي الحديث ومنشورات المنظمات الدولية كـ اليونسكو[16] (UNESCO) إلى أن الحكامة المدرسية القائمة على القواعد الديمقراطية التشاركية والعقوبات البناءة والمستندة إلى القانون، تسهم في زرع قيم المسؤولية والمواطنة لدى الناشئة، وتحد من مشاعر المظلومية والتمرد التي يغذيها العقاب التعسفي الجاف

خاتمة واستشراف

في الختام، يظهر جلياً أن العنف في البيئة المدرسية ليس مجرد سلوك طائش أو حدث معزول، بل هو انعكاس بنيوي لعمق الاختلالات السوسيو-ثقافية والاقتصادية التي تسربت من المحيط الخارجي لتخترق حرم المؤسسة التعليمية. فالمدرسة لا تعيش في معزل عن واقعها؛ بل تعيد أحياناً إنتاج التوترات الأسرية، الهشاشة الاجتماعية، والتدفقات الرقمية العنيفة التي يمتصها المتعلم يومياً.

بناءً على ما تم تفكيكه في المحاور السابقة، يتضح أن الاستمرار في مقاربة هذه الظاهرة بمنطق زجري أمني جاف لم يعد مجدياً، بل إن كلفته التربوية والإنسانية باهظة جداً؛ وتتجلى في تعميق معضلات الهدر المدرسي، وتدمير الصحة النفسية للأجيال الصاعدة، وتسميم المناخ المهني للأطر التربوية. إن الانتقال بالحياة المدرسية من فضاء مشحون بالتوتر والصدام الرمزي والمادي إلى بيئة جاذبة، آمنة، ومحفزة، يُعد اليوم رهاناً حضارياً غير قابل للتأجيل.

إن كسب هذا الرهان وتخليق الحياة المدرسية يتطلبان حتماً تضافر جهود المجتمع بأكمله في إطار مسؤولية تضامنية مشتركة:

  • القطاعات الحكومية والتربوية: مطالبة بأنسنة الفضاء التعليمي، ومأسسة الدعم النفسي والوساطة، وجعل الأنشطة الموازية والإبداعية عصب الزمن المدرسي.
  • الأسرة: مدعوة لاستعادة أدوارها الطليعية في التنشئة القائمة على الحوار، والإنصات، والدعم العاطفي غير المشروط.
  • الإعلام والوسائط الرقمية: مجبرة على إبداع مضامين بديلة تنتصر لقيم التسامح، والتعايش، والحل السلمي للنزاعات، بدل المتاجرة بثقافة القوة والسيطرة.

إن المدرسة، في نهاية المطاف، هي المشتل الحقيقي لنبتة المستقبل وصمام الأمان الهوياتي والقيمي للناشئة. لذا، فإن حمايتها من ثقافة العنف وتطهير مناخها التربوي ليسا مجرد ترف فكري أو تدبير إداري مؤقت، بل هما حماية مباشرة لتماسك المجتمع، وتحصين لغده، وتأمين لمساره التنموي الشامل. وكما صاغتها الرؤى التربوية الكونية، فإن الاستثمار في أمن المدارس هو الاستثمار الأرخص والأكثر استدامة في مستقبل الأوطان.

 

أولاً: المراجع باللغة العربية (الأكاديمية والتربوية)

  1. جامعة 8 ماي 1945 بقالمة.(2022). أطروحات ودراسات علم الاجتماع التربوي: ظاهرة العنف في الوسط المدرسي، الأسباب والآثار وآليات المعالجة [رسائل ماجستير ودكتوراه منشورة]. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، الجزائر.
  2. منصات التوجيه التربوي الرقمية.(2015-2023). السلوك العدواني لدى المتعلمين: مظاهر العنف المدرسي وحلوله البيداغوجية. منشورات شبكة مسار للتربية والتكوين.

ثانياً: المراجع باللغات الأجنبية (الأكاديمية والفلسفية)

  1. Adler, A.(1927). Understanding Human Nature. (O. Wolfe, Trans.). Greenwich, CT: Fawcett Publications.
  2. Astor, R. A., & Benbenishty, R.(2018). Mapping and monitoring bullying and violence: New directions for school climate. Oxford University Press. ).
  3. Bandura, A.(1973). Aggression: A Social Learning Analysis. Prentice-Hall.
  4. Bourdieu, P.(1998). La domination masculine. Paris: Éditions du Seuil.
  5. Coleman, J. S.(1988). Social Capital in the Creation of Human Capital. American Journal of Sociology, 94, S95-S120.
  6. Debarbieux, É.(2006). Violence à l’école: un défi mondial? Paris: Armand Colin. Dewey, J. (1916). Democracy and Education: An Introduction to the Philosophy of Education. New York: Macmillan
  7. Merton, R. K.(1938). Social Structure and Anomie. American Sociological Review, 3(5), 672-682.
  8. Rogers, C.(1951). Client-Centered Therapy: Its Current Practice, Implications, and Theory. Boston: Houghton Mifflin.

 

ثالثاً: تقارير المنظمات الدولية (الأممية والحكاماتية)

  1. (2017). PISA 2015 Results (Volume III): Students’ Well-Being. OECD Publishing. doi.org
  2. (2014). School Governance: Concepts and practices. UNESCO Digital Library.
  3. (2019). Behind the numbers: Ending school violence and bullying. Paris: UNESCO. (Cyberbullying).
  4. (2018). An Everyday Lesson: #ENDviolence in Schools. UNICEF New York.

 

 

[1] Debarbieux, É. (2006). Violence à l’école: un défi mondial? Paris: Armand Colin.

[2] UNICEF. (2018). An Everyday Lesson: #ENDviolence in Schools. UNICEF New York.

[3] Bourdieu, P. (1998). La domination masculine. Paris: Éditions du Seuil

[4] UNESCO. (2019). Behind the numbers: Ending school violence and bullying. Paris: UNESCO.

[5] Adler, A. (1927). Understanding Human Nature. (O. Wolfe, Trans.). Greenwich, CT: Fawcett Publications.

[6] Bandura, A. (1973). Aggression: A Social Learning Analysis. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.

[7] Merton, R. K. (1938). Social Structure and Anomie. American Sociological Review, 3(5), 672–682. doi.org

[8] جامعة 8 ماي 1945 بقالمة. (2022). سوسيولوجيا العنف في الوسط المدرسي: الأسباب والآثار وآليات المعالجة التربوية [رسالة دكتوراه/ماجستير منشورة، مستودع الأبحاث الرقمي]. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، قسم علم الاجتماع، قالمة، الجزائر.

[9] Bandura, A. (1977). Social Learning Theory. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.

[10] OECD. (2017). PISA 2015 Results (Volume III): Students’ Well-Being. OECD Publishing. doi.org

[11] Maslow, A. H. (1943). A theory of human motivation. Psychological Review, 50(4), 370–396. doi.org

 

[12] Astor, R. A., & Benbenishty, R. (2018). Mapping and monitoring bullying and violence: New directions for school climate. Oxford University Press.

 

[13] Dewey, J. (1916). Democracy and Education: An Introduction to the Philosophy of Education. Macmillan.

 

[14] Rogers, C. R. (1951). Client-Centered Therapy: Its Current Practice, Implications, and Theory. Houghton Mifflin.

[15] Coleman, J. S. (1988). Social Capital in the Creation of Human Capital. American Journal of Sociology, 94, S95–S120. doi.org

 

[16] UNESCO. (2014). School Governance: Concepts and practices. UNESCO Digital Library.

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

آخر المقالات