المجتمع المدني والحياة المدرسية: نحو شراكة استراتيجية لبناء “مدرسة المواطنة“
دة: مريم بلفقيه
تقديم:
لم تعد المدرسة الحديثة تلك القلعة البيورقراطية المنغلقة التي تكتفي بأسوارها الإسمنتية وبرامجها الرسمية الجافة، بل أضحت، بتعبير السوسيولوجي طالكوت بارسونز [1](Talcott Parsons)، “نسقاً اجتماعياً مفتوحاً” يتفاعل مع محيطه بشكل عضوي، ويستمد مشروعيته من قدرته على الاستجابة لتحولات المجتمع. ومن هذا المنطلق، يبرز “المجتمع المدني” ليس مجرد فاعل إحساني أو داعم خارجي طارئ، بل كشريك بنيوي ورافعة استراتيجية في هندسة “الحياة المدرسية” وتنشيط مفاصلها.
إن الرهان الجوهري اليوم يكمن في الانتقال من مفهوم “مدرسة الدولة” الوصية إلى مفهوم “مدرسة المجتمع” التشاركية؛ وهي الرؤية التي وضع أسسها الفيلسوف التربوي جون ديوي [2](John Dewey)، حين اعتبر أن المدرسة هي “مختبر الديمقراطية”. فالديمقراطية في نظره ليست شعاراً يُلقن، بل هي ممارسة تبدأ من فتح أسوار المدرسة على قضايا المجتمع، وإشراك فعالياته المدنية في سيرورتها التربوية، لتحويل التعلم من فعل مدرسي صرف إلى “فعل اجتماعي” مفعم بالحياة.
وفي سياق متصل، يؤكد السوسيولوجي يورغن هابرماس[3] (Jürgen Habermas) عبر نظريته حول “الفضاء العام”، أن المجتمع المدني هو الضامن لتحويل المؤسسات من الأداء الآلي إلى الأداء التواصلي. فدخول الجمعيات والمنظمات إلى صلب الحياة المدرسية يكسر العزلة التربوية ويخلق ما يسميه بيير بورديو بـ “الرأسمال الاجتماعي” المشترك؛ حيث تتوحد جهود الأسرة، والمدرسة، والجمعية لبناء مواطن لا يكتسب المعارف فقط، بل يمتلك “مهارات العيش” في مجتمع معقد.
إن إعادة الاعتبار للمجتمع المدني كشريك في جودة التعلمات، تماشياً مع مقتضيات الحكامة التربوية الحديثة، تعني الإيمان بأن “التربية شأن مجتمعي تقاس جودته بمدى قدرة المدرسة على الانصهار في محيطها”، لتكون بذلك القاطرة التي تقود المجتمع نحو التنمية، والفضيلة المدنية، والاستقرار القيمي.
أولاً: أبعاد تدخل المجتمع المدني في الفضاء التربوي (تعددية الأدوار والتكامل)
إن انخراط مكونات المجتمع المدني (من جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ، وجمعيات حقوقية، وثقافية، وبيئية) في صلب الحياة المدرسية ليس مجرد “تأثيث” للمشهد التربوي، بل هو تكريس لمبدأ “التدبير التضامني” للشأن العام. تتداخل هذه الأبعاد لترسم معالم مدرسة منفتحة وقوية، وذلك وفق المستويات التالية:
1– البعد التشاركي ومأسسة “الديمقراطية المحلية”:
– التوسع النظري والعملي في السياق المغربي
تتجلى أطروحة هابرماس حول “الفعل التواصلي“ و**”الفضاء العام”** في المنظومة التربوية المغربية من خلال الانتقال من “الإدارة العمودية” (المركزية الجافة) إلى “الحكامة الأفقية التشاركية”، ويظهر ذلك تطبيقياً في:
- مجلس التدبير كبرلمان للمؤسسة: يمثل هذا المجلس الفضاء التداولي الذي تلتقي فيه الإدارة التربوية، وهيئة التدريس، وجمعية أمهات وآباء وأولياء التلاميذ، وممثلين عن الجماعة الترابية (البلدية) وجمعيات المجتمع المدني الشريكة. في هذا الفضاء، لا تُملى القرارات، بل تُبنى عبر “إتيقا النقاش” (Discourse Ethics) لتجاوز الهيمنة البيروقراطية.
- مشروع المؤسسة المندمج (PFI): هو الأداة التنفيذية لهذا الفعل التواصلي؛ حيث يشارك المجتمع المدني في تشخيص حاجيات المدرسة (الهدر المدرسي، العنف، الدعم الاجتماعي) والمساهمة في تمويل وتنزيل الخطة الاستراتيجية للمؤسسة، مما يخرج التدبير من طابعه الإداري الصرف إلى طابع مجتمعي تعاقدي.
– أمثلة ملموسة من الحياة المدرسية المغربية
- مواجهة الهدر المدرسي في العالم القروي: تلعب الجمعيات المحلية التنموية دور الشريك الاستراتيجي داخل مجالس التدبير عبر تدبير النقل المدرسي، وتسيير “دور الطالب وطالبتها”. هنا، يتحول القرار من مجرد تدبير إداري إلى فعل تضامني محلي يضمن الحق في التعليم.
- تنزيل أنشطة الحياة المدرسية: الشراكات مع الأندية البيئية والحقوقية المحلية لتنشيط الأندية التربوية داخل المؤسسات (كأندية المواطنة وحقوق الإنسان)، مما يجعل الفاعلين المدنيين مساهمين في بلورة قيم الديمقراطية ميدانياً وليس فقط نظرياً.
– مقارنة دولية (المغرب، فرنسا، تونس)
| وجه المقارنة | التجربة المغربية | التجربة الفرنسية | التجربة التونسية |
| الآلية المؤسساتية | مجلس التدبير (Conseil de Gestion) بمشاركة جمعيات الآباء والشركاء الاقتصاديين والمدنيين. | مجلس المدرسة/المركب (Conseil d’école / d’administration) بحضور قوي ومقنن للشركاء والمنتخبين المحليين. | مجلس المؤسسة الذي تم تفعيله لتعزيز الانفتاح على المحيط وتطوير الحياة المدرسية. |
| درجة التشاركية | استشارية/تقريرية محلياً: يساهم في إعداد مشروع المؤسسة والمصادقة على البرنامج السنوي، لكن القرارات المالية الكبرى تظل مرتبطة بالأكاديميات | تشاركية عالية الاستقلالية: يتمتع المجلس بسلطة واسعة في تحديد النظام الداخلي، والميزانية، وتنظيم الزمن المدرسي بتنسيق وثيق مع البلدية (Mairie). | تشاركية تدريجية: يركز على تفعيل الشراكات الثقافية والرياضية مع المجتمع المدني، مع بقاء المركزية الإدارية قوية في اتخاذ القرار. |
| مستوى التفاعل مع المحيط | عضوي ومرتبط بالحاجة: ينشط بقوة في الدعم الاجتماعي ومحاربة الهدر، لكنه يواجه أحياناً تفاوتات بين العالم القروي والحضري في كفاءة الجمعيات الشريكة. | مأسس ومقنن تاريخياً: المدرسة جزء لا يتجزأ من المرفق العام المحلي، حيث تمول البلدية اللوجستيك ويوجه المجتمع المدني الأنشطة الموازية بسلاسة. | فضاء للانتقال الديمقراطي: يُنظر إلى المدرسة كقاطرة لترسيخ قيم المواطنة بعد الثورة، بمشاركة متنامية للرابطات والمنظمات الحقوقية. |
2- البعد التنموي وتكريس “التضامن العضوي”:
يبرز دور المجتمع المدني كقوة تنموية تساهم في “أنسنة” الفضاء المدرسي. فمن خلال مبادرات تحسين البنية التحتية، والتشجير، وتجهيز المكتبات، وتوفير الدعم الاجتماعي للفئات الهشة، يجسد المجتمع المدني مفهوم “التضامن الاجتماعي” الذي نادى به إميل دوركايم (Émile Durkheim)[4]. إن هذا التدخل يحول المدرسة إلى بيئة حاضنة توفر “تكافؤ الفرص”؛ فالمجتمع المدني هنا يعمل كجهاز لـ “الضبط الاجتماعي” الإيجابي، يرمم النواقص المادية ويخلق مناخاً من الرفاهية المادية والنفسية التي تُعد شرطاً أساسياً لجودة التعلم.
تتضاعف الحاجة إلى الأدوار التنموية للمجتمع المدني كأداة لـ ‘الضبط الاجتماعي‘ و**’التضامن العضوي’** عند مساءلة إشكالية الفوارق السوسيو-مجالية بين الوسطين الحضري والقروي في المنظومة التربوية المغربية[5]. فبينما تعاني مدارس الهوامش والقرى من عجز بنيوي حاد يهدد مبدأ ‘تكافؤ الفرص‘[6]، يتدخل الفاعل المدني (عبر جمعيات النقل المدرسي وتسيير دور الطالب) لترميم هذه الفجوات المادية والجغرافية. هذا التدخل لا يقف عند حدود الدعم اللوجستيكي، بل يساهم في ‘أنسنة’ شروط التعلم للفئات الهشة، لاسيما الفتاة القروية، مما يقلص من نسب الهدر المدرسي. إن ردم هذه الفوارق يمثل جوهر ‘العدالة التوزيعية‘[7]، حيث يتحول عمل الجمعيات من مجرد إحسان عابر إلى مساهمة بنيوية في إنتاج الرأسمال الثقافي وتوفير بيئة نفسية آمنة تضمن جودة التعلم واستدامته، ومواجهة معيقات الهدر الناتجة عن الفقر والعزلة.
3- البعد البيداغوجي الموازي و”إغناء الكينونة”:
تعتبر الجمعيات الرافد الأساسي لتنشيط الأندية التربوية (حقوق الإنسان، البيئة، الإعلام، المسرح). هذا البعد يكسر رتابة المقررات الدراسية “الجافة” ويمنح للمتعلم فرصة للاحتكاك بخبرات ميدانية وفاعلين مدنيين حقيقيين. إنها ترجمة عملية لرؤية جان بياجيه (Jean Piaget) [8]حول أهمية “التعلم عبر الفعل” والتفاعل مع المحيط. فمن خلال ورشة حول حقوق الإنسان أو نشاط بيئي ميداني، يكتسب التلميذ كفايات عرضانية ومهارات حياتية (Soft Skills) يصعب تلقينها داخل الفصل، مما يحول الحياة المدرسية إلى امتداد حيوي للواقع المعاش.
4- بعد الوساطة والربط الاجتماعي:
يلعب المجتمع المدني دور “الوسيط الثقافي والاجتماعي” بين المؤسسة والأسرة. وفي سياق أطروحات بيير بورديو حول “الرأسمال الثقافي”، تساهم هذه الوساطة في تقليص الهوة اللغوية والاجتماعية التي قد تعيق تلاميذ الأوساط الفقيرة. الجمعيات هنا تساهم في شرح الرهانات التربوية للأسر وتعبئتها للانخراط في تتبع مسار أبنائها، مما يخلق “تحالفاً تربوياً” متيناً يحمي المتعلم من الانحراف أو الهدر. وبذلك يتجاوز دور المجتمع المدني حدود الدعم المادي واللوجستيكي ليستوي في فضاء المنظومة كـ ‘وسيط سوسيو-ثقافي‘ استراتيجي وجسر تواصل يربط بين الفضاء المدرسي والبيئة الأسرية.
وفي ضوء أطروحات بيير بورديو السوسيولوجية حول ‘الرأسمال الثقافي‘ (Cultural Capital) وإعادة الإنتاج، تكتسي هذه الوساطة قيمة تعديلية بالغة الأهمية؛ فالمنظومة التعليمية غالباً ما تعتمد على ‘شفرات لغوية ومعرفية’ تتوافق مع ثقافة الفئات الوسطى والعليا، مما يمارس نوعاً من ‘العنف الرمزي‘ (Symbolic Violence) على تلاميذ الأوساط الهشة والفقيرة الذين يفتقرون إلى هذا الرأسمال الموروث.
هنا، تتدخل الجمعيات التربوية لتقليص هذه الهوة اللغوية والاجتماعية؛ حيث تعمل كـ ‘مترجم سوسيولوجي’ يتولى شرح الرهانات الأكاديمية للأسر وتعبئتها وتوعيتها بآليات التتبع المدرسي الحديث.
إن هذا التدخل الواعي يسهم في تحويل البيئة الأسرية من حالة ‘الاستلاب أو الاغتراب الثقافي’ تجاه المدرسة إلى حالة الانخراط الإيجابي الفاعل، مما يؤسس لـ ‘تحالف تربوي عضوي‘ يرمم التفاوتات الطبقية، ويحمي المتعلم من الانزلاق نحو الانحراف أو السقوط في فخ الهدر المدرسي.
ثانياً: دور المجتمع المدني في تجويد التعلمات والارتقاء بالقيم
يتجاوز دور المجتمع المدني الأبعاد اللوجستيكية التنموية ليستوي كقوة بيداغوجية وسيكولوجية فاعلة تعمل كجسر حيوي يربط بين المعارف النظرية الجافة والواقع العملي الملموس، مما ينعكس إيجاباً على جودة التعلمات واستدامتها. ويتجلى هذا الدور بوضوح في محورين متكاملين: الدعم التربوي والمواكبة النفسية. حيث تتدخل الجمعيات المتخصصة لتقديم حصص الدعم الدراسي النوعي وتوفير المساعدة النفسية للتلاميذ الذين يعانون من صعوبات التعلم أو التعثر الدراسي.
إن هذا التدخل البيداغوجي الموجه ينسجم بنيوياً مع المقاربة السوسيو-بنائية للسيكولوجي ليف فيغوتسكي (Lev Vygotsky)[9]، وتحديداً رؤيته حول دور ‘الوساطة الاجتماعية’ (Social Mediation) في تطوير وتفعيل ‘منطقة النمو القريب’ (Zone of Proximal Development – ZPD) لدى المتعلم. فمن خلال سياق فيغوتسكي، لا يتطور الذكاء بشكل معزول، بل يتأسس عبر التفاعل مع ‘الآخر الأكثر معرفة’ (More Knowledgeable Other). وهنا، يلعب المنشط الجمعوي أو الإطار التربوي المتطوع دور ‘الدعامة’ (Scaffolding) التي تملأ الفراغ الفاصل بين مستوى الأداء الفعلي المستقل للتلميذ، ومستوى أدائه المحتمل والمأمول، مما يحيد معيقات الفشل الدراسي ويضمن ارتقاءً معرفياً ونفسياً متوازناً.
وفي سياق متصل، يتعدى دور المجتمع المدني عتبة الدعم البيداغوجي والسيكولوجي ليتأصل كفاعل استراتيجي في محور ‘التربية على المواطنة والقيم’. وتجد هذه المقاربة امتدادها الفلسفي في أطروحات المنظر السوسيوسياسي أنطونيو غرامشي (Antonio Gramsci)[10]، وتحديداً في تفكيكه لآليات ‘الهيمنة الثقافية’ (Cultural Hegemony)؛ حيث يرى غرامشي أن المجتمع المدني بمؤسساته وجمعياته هو الفضاء الطبيعي لتشكيل الوعي الجماعي ونشر القيم عبر الإقناع والقبول الطوعي لا عبر الإكراه البيروقراطي للدولة.
وإذا كان غرامشي قد حلل هذا المفهوم في سياق الهيمنة الطبقية، فإن إعادة استثماره تربوياً تبرز كيف يمكن للمجتمع المدني تقويض الأنماط التقليدية الجافة عبر خلق ‘هيمنة قيمية إيجابية’ داخل الفضاء المدرسي. فمن خلال الورشات التفاعلية والأنشطة الميدانية التي تؤطرها الجمعيات، يتشرب المتعلم قيم التطوع، التسامح، والمسؤولية المدنية وقبول الاختلاف عبر ‘الممارسة والفعالية الذاتية’ لا عبر التلقين العمودي السلبي، مما يساهم في صياغة شخصية المواطن الفاعل والناقد.
يمكن إغناء هذا المحور بأمثلة تطبيقية تعكس هذا الفكر الغرامشي في الواقع التربوي:
- محاكاة البرلمان والأندية الحقوقية: الشراكات بين المدارس وجمعيات حقوقية (مثل المنظمة المغربية لحقوق الإنسانأو جمعيات المجتمع المدني المحلية) لتأسيس “أندية المواطنة وحقوق الإنسان“. تنظيم ورشات “محاكاة البرلمان” أو “محاكمات صورية لانتهاكات حقوقية” يجعل التلاميذ يمارسون آليات الحوار، التصويت، والدفاع عن الحقوق بشكل ملموس، وهي ترجمة فعلية للتعلم بالممارسة.
- أندية البيئة والعمل التطوعي: عندما تنظم جمعية بيئية حملة تشجير داخل المؤسسة أو في محيطها بالتعاون مع التلاميذ، فإنها لا تلقنهم درساً نظرياً عن البيئة، بل تزرع فيهم قيمة “المواطنة البيئية” والمسؤولية تجاه المرفق العام عبر الفعل الميداني.
- الوساطة المدرسية ومناهضة العنف: قيام جمعيات متخصصة بتدريب التلاميذ أنفسهم على “الوساطة النظيرة” (Peer Mediation) لحل النزاعات بين زملائهم سلمياً وبشكل ديمقراطي، مما يكرس ثقافة الحوار كبديل عن العنف الإداري أو الجسدي.
وفي سياق متصل، يستوي المجتمع المدني كصمام أمان بنيوي ومؤسساتي في واجهة ‘محاربة الهدر المدرسي والانقطاع المبكر عن الدراسة’. فبينما تكتفي المقاربات الإدارية الرسمية برصد الإحصائيات وبلوغ المساطر الجافة، تفعل الجمعيات المحلية دور ‘اليقظة المجتمعية’ والاستباق السوسيوبيداغوجي. وتتجاوز هذه اليقظة حدود التدخل العلاجي البسيط لتصبح نظاماً متكاملاً لـ ‘الإنذار المبكر’ (Early Warning System)، يرتكز على الرصد الميداني اللصيق للمتعلمين المهددين بالانقطاع (نتيجة الفقر، أو العزلة الجغرافية، أو التعثر الدراسي المزمن).
إن هذا التدخل الميداني، الذي يقوده الفاعلون المدنيون عبر حملات التوعية المباشرة، وقوافل التعبئة المجتمعية، وتوفير الحلول اللوجستيكية البديلة (كالنقل المدرسي ودور الطالب)، يسهم بشكل حاسم في تحييد معيقات التمدرس وتأمين بيئة حاضنة للمتعلم.
وبذلك، لا يقتصر دور الجمعيات على ترميم نواقص المؤسسة، بل يمتد ليمارس وظيفة سوسيولوجية وقانونية تضمن الحماية الفعلية لـ ‘الحق في التعليم’ وتكافؤ الفرص، مانعاً تسرب الناشئة نحو هوامش الإقصاء الاجتماعي.”
ثالثاً: آليات تفعيل الشراكة وتحديات الحكامة (نحو مأسسة التعاون)
لتحويل علاقة المدرسة بالمجتمع المدني من مجرد تعاون ظرفي إلى قوة دافعة للتغيير النوعي، لا بد من الانتقال إلى جيل جديد من الشراكات التي تقطع مع الارتجالية، اذ يقودنا الانتقال إلى المحور الثالث لمدارسة الشروط الموضوعية والآليات الإجرائية الكفيلة بنقل علاقة المؤسسة التعليمية بالمجتمع المدني من طور ‘التعاون الظرفي الإحساني’ أو ‘الشراكة البروتوكولية العابرة’، إلى طور ‘المأسسة المستدامة‘ والتعاقد الاستراتيجي الحامل لرهانات التغيير النوعي. وتجد هذه الرؤية تأصيلها السوسيولوجي في أطروحات عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل كروزير [11](Michel Crozier) حول ‘الظاهرة البيروقراطية‘ وتحليل الاستراتيجيات التنظيمية؛ حيث يرى أن المؤسسات المنغلقة تولد ‘مقاومة بنيوية للتغيير’ يحميها جمود القوانين والمساطر الإدارية المعقدة. بناءً على هذا المنظور، لا يمكن للمدرسة أن تتحرر من انغلاقها البيروقراطي وتتحول إلى منظومة ديناميكية مرنة إلا عبر الانتقال إلى ‘جيل جديد من الشراكات التعاقدية‘ التي تعيد هندسة الأدوار، وتوزع سلطة القرار وفق قواعد ‘الحكامة الجيدة‘ (Good Governance) .
إن هذا الانتقال يمثل المدخل الأساسي للانتقال من الإدارة العمودية الجافة إلى التدبير الأفقي التشاركي، وهو ما يستلزم تفعيل حزمة من الآليات التدبيرية والقانونية الكفيلة بتجاوز معضلات الحكامة الحالية وتأمين استدامة التعاون و عقلنة هذا التفاعل العضوي تقتضي قطعاً بائناً مع الارتجالية، واجتثاثاً لثقافة التدبير الانفعالي التي طالما وسمت علاقة المدرسة بمحيطها وذلك عبر تفعيل الآليات التالية:
- الشراكة التعاقدية: من “العفوية” إلى “المأسسة”
يتصدر محور ‘الشراكة التعاقدية الممنهجة’ قائمة الآليات الكفيلة بقطع دابر الارتجالية، معلناً الانتقال الحتمي من طور ‘العفوية والتدبير الانفعالي’ إلى طور ‘المأسسة المستدامة’. فلم يعد مقبولاً سوسيولوجياً وتنظيمياً أن تظل علاقة المجتمع المدني بالمدرسة رهينة المزاجية الفردية للأطر أو التدخلات المناسباتية الفجة؛ بل بات الرهان يتمحور حول صياغة تشاركية تعاقدية رصينة ومؤسسة قوامها ‘مشروع المؤسسة المندمج’ (Projet d’Établissement Intégré). وتجد هذه الآلية الإجرائية تأصيلها النظري في أدبيات ‘الإدارة العمومية الحديثة’ (New Public Management)، التي ترتكز على نقل آليات المرونة والتدبير المقاولاتي إلى قلب المرفق العام لتقويض الجمود البيروقراطي[12].
إن هذا التحول البنيوي يضمن الانتقال الجذري والموضوعي من ثقافة ‘الاكتفاء بالوسائل ومبررات التدبير’ إلى منطق ‘الالتزام بالنتائج والأثر الملموس’ (Management by Results). وبموجب هذا الإطار، تُصاغ الاتفاقيات والشراكات بناءً على معايير تعاقدية واضحة المعالم، تُحدد الأهداف والوظائف بدقة متناهية قابلة للقياس والتقييم والتحقق الرقمي (SMART) وفق المذكرات الوزارية المنظمة (خاصة المذكرة الإطار المتعلقة بمشروع المؤسسة المندمج). وبذلك، تنخلع الجمعية المدنية من جلباب ‘الفاعل الخارجي الإحساني’ لتستوي كـ ‘شريك استراتيجي داخلي وحيوي’، يمتلك الأهلية القانونية والبيداغوجية للمساهمة في بناء وتوجيه الاختيارات الكبرى للمنظومة التربوية محلياً ومجالياً.
- أنسنة العلاقة: المجتمع المدني كـ “قوة اقتراحية”
تطلب الانتقال نحو حكامة ديمقراطية حقيقية تجاوز النظرة الاختزالية الضيقة التي تحصر المجتمع المدني في دور ‘الممول اللوجستيكي’ أو ‘المانح المالي’ القائم على تدبير النواقص وترميم الحجرات؛ بل يكمن الرهان الأعمق في إعادة الاعتبار للفاعل المدني بوصفه ‘قوة اقتراحية فكرية وبيداغوجية’ تمتلك الأهلية الكاملة لإغناء المنظومة التربوية وتحديثها. وتجد هذه المقاربة النقدية أفقها الإبستمولوجي في أطروحات المفكر والتربوي الفيلسوف باولو فريري[13] (Paulo Freire) حول نقد ‘التعليم البنكي’ (Banking Education)، الذي يقوم على ‘إيداع’ المعلومات الجافة عمودياً في عقول المتعلمين ومعاملتهم كذوات سلبية مستلبة.
وفي مقابل هذا التلقين التدجيني، يقدم فريري أطروحة ‘التعليم الحواري والوعي النقدي’ (Conscientization) القائم على التفاعل العضوي والجدلي مع العالم المحيط. ومن هذا المنطلق السوسيو-تربوي، فإن الانتقال بالمجتمع المدني من مرتبة الممول إلى شريك في بناء وتنشيط الأندية التربوية وصياغة البرامج الموازية، يسهم بشكل حاسم في إكساب التعلمات ‘معنى سوسيولوجياً وبيداغوجياً’ حياً. إذ تنخلع المعرفة هنا من عزلتها النظرية داخل أسوار الفصل، ليتحول الفضاء المدرسي إلى امتداد حيوي للواقع المعاش، ويتحول معها المتعلم من متلقٍّ سلبي إلى فاعل تاريخي يدرك أن المعارف والمهارات التي يكتسبها هي أدوات إجرائية ونقدية غايتها فهم واقعه، تحويله، وتطوير مجتمعه المحيط
- الحكامة والشفافية: تعزيز “الثقة المؤسساتية”
يشكل محور ‘الحكامة والشفافية: تعزيز الثقة المؤسساتية’ الركيزة الضامنة لاستدامة هذه المنظومة التشاركية وتحصين مكتسباتها الميدانية؛ إذ تعتبر ‘الثقة’ (Trust) هي العملة التدبيرية الأساسية التي تنظم علاقة المؤسسة التربوية بمحيطها السوسيو-اقتصادي والمدني. وتجد هذه الرؤية التنظيمية تأصيلها السوسيولوجي العميق في أطروحات السوسيولوجي والمفكر فرانسيس فوكوياما (Francis Fukuyama)، وتحديداً في تنظيره لـ ‘الرأسمال الاجتماعي’[14] (Social Capital)؛ حيث يبرهن فوكوياما على أن الثقة المتبادلة هي حجر الزاوية لازدهار ونمو أي منظمة، وأن غيابها يرفع من كلفة التنسيق ويولد الجمود.
وتأسيساً على هذا الطرح، يغدو تفعيل الأدوار التقريرية لـ ‘مجلس التدبير’ مدخلاً حتمياً للانتقال بالمنظومة من طور ‘السرية البيروقراطية والجفاء الإداري’ إلى طور ‘الحكامة التشاركية والمكاشفة المسؤولة’.
إن إشراك ممثلي المجتمع المدني في تسيير الموارد، والاطلاع الشفاف على الميزانيات، وتدبير قنوات الدعم الاجتماعي يجسد عملياً مفهوم ‘الرقابة المواطنة’ (Citizen Oversight). وتعتبر هذه الشفافية الضمانة البنيوية الكفيلة بطمأنة الشركاء، وتحييد هواجس التوجس، وجذب استثمارات ومبادرات مدنية جديدة ومستدامة. وبذلك، يتحرر الفضاء المدرسي من انغلاقه البيروقراطي الصلب، ليتطور كمنظومة مرنة تستوي في وعي الساكنة المحلية والشركاء كـ ‘بيت مشترك للجميع’ تتكامل فيه المسؤولية بالمساءلة
- التقييم والمواكبة: ضمان الجودة والنجاعة
يكتمل بناء حكامة الشراكة التربوية بالمرور الحتمي نحو محور ‘التقييم والمواكبة: ضمان الجودة والنجاعة’؛ إذ لا يمكن لأي نسق تشاركي أن يتطور أو يحقق استدامته في غياب آليات علمية وممنهجة للتقييم الدوري والمواكبة البعدية.
وتأسيساً على هذا، يتوجب إخضاع كافة المشاريع والبرامج المشتركة لعمليات ‘افتحاص تربوي، سوسيولوجي، واقتصادي’ (Socio-Educational Audit) رصين، ينأى عن الطابع الصوري السطحي، ليركز على قياس مدى التأثير الفعلي والعميق (Impact Assessment) لهذه التدخلات على التحصيل الأكاديمي للمتعلمين، وتطوير سلوكهم المدني، ودعم رفاههم النفسي.
إن هذه الآلية التقويمية تمنح الطرفين المتعاقدين (الإدارة التربوية والفاعل المدني) قنوات حيوية لـ ‘التغذية الراجعة الاستراتيجية’ (Strategic Feedback) الكفيلة بتصحيح المسارات التدبيرية، وتعديل الانحرافات التنظيمية، وتطوير الأداء الميداني بمرونة وسلاسة. وتنسجم هذه المقاربة بنيوياً مع مبادئ وفلسفة ‘إدارة الجودة الشاملة’ (Total Quality Management – TQM)، وتحديداً نموذج التحسين المستمر الذي صاغه رائد الجودة إدوارد ديمينغ (W. Edwards Deming)[15] عبر دورة التقييم الدائري (Plan-Do-Check-Act)؛ حيث لا يُنظر إلى التقييم بوصفه محاكمة صلبة أو محطة نهائية، بل بوصفه سيرورة إبستمولوجية وتدبيرية غايتها القصوى الارتقاء المستدام بنجاعة الفعل التنظيمي، وضمان تحويل المدرسة إلى فضاء يتميز بالفعالية والجودة الحقيقية
خاتمة: نحو “عقد اجتماعي” تربوي جديد (المدرسة كملك مشترك)
تأسيساً على ما سلف تحليله ومكاشفته، يتضح بيقين أكاديمي وسوسيولوجي أن الارتقاء بالمنظومة التربوية وتجويد الحياة المدرسية لا يمكن اختزاله في مقاربة تقنية معزولة أو حزمة قرارات مكاتبية تدبرها الوزارات خلف أسوارها البيروقراطية الصلبة؛ بل إن نجاح هذا الورش الإصلاحي رهين بمدى قدرتنا الإرادية والجماعية على صياغة وهندسة ‘عقد اجتماعي وتربوي جديد’ ينهي حالة الانغلاق التنظيمي. إن هذا التعاقد التاريخي يملك أبعاداً تعديلية حاسمة تسعى إلى مصالحة المؤسسة مع محيطها السوسيو-مجالي، لتبلغ في وعي الفاعلين مرتبة ‘الملك المشترك والمسؤولية التضامنية’ التي يذود عنها الجميع.
ومن هذا المنطلق الدلالي، يتأكد أن المجتمع المدني ليس مجرد شريك ملحق أو فاعل خارجي يقتصر دوره على تأثيث فضاءات المؤسسة أو تسييج ثغراتها المادية؛ بل هو بمثابة ‘النَّفَس القيمي والروح الديناميكية’ التي تمد المدرسة بزخمها السلوكي والحواري وتفكك عنها رتابة العزلة وعفونة الانغلاق لتجعلها نابضة بالواقع البشري ومتغيراته السريعة
وكما يقول السياسي الفرنسي أرستيد بريان [16](Aristide Briand): “التعليم هو الدفاع الوطني الأول”؛ وهو دفاع لا يكتمل حصنه ولا تقوى جدرانه إلا بتلاحم المدرسة مع مجتمعها المدني في مشروع تربوي موحد. إن استثمارنا في هذه الشراكة هو في جوهره استثمار في ديمقراطية الغد، وفي كرامة الإنسان، وفي مستقبل وطن يتسع لكل أبنائه.
قائمة المراجع وفق نظام APA 7
Bourdieu, P. (1986). The forms of capital. In J. Richardson (Ed.), Handbook of theory and research for the sociology of education (pp. 241-258). Greenwood.
Briand, A. (1922). Paroles de paix. Édouard Cornély.
Castel, R. (1995). Les métamorphoses de la question sociale: Une chronique du salariat. Fayard.
Crozier, M. (1963). Le phénomène bureaucratique: Essai sur les tendances bureaucratiques des systèmes d’organisation modernes. Éditions du Seuil.
Deming, W. E. (1986). Out of the crisis. Massachusetts Institute of Technology, Center for Advanced Engineering Study.
Dewey, J. (1916). Democracy and education: An introduction to the philosophy of education. Macmillan.
Durkheim, É. (1922). Éducation et sociologie. Félix Alcan.
Freire, P. (1970). Pedagogy of the oppressed. Herder and Herder.
Fukuyama, F. (1995). Trust: The social virtues and the creation of prosperity. Free Press.
Gramsci, A. (1971). Selections from the prison notebooks (Q. Hoare & G. N. Smith, Eds. & Trans.). International Publishers.
Habermas, J. (1989). The structural transformation of the public sphere. MIT Press.
Hood, C. (1991). A public management for all seasons?. Public Administration, 69(1), 3-19.
Parsons, T. (1959). The school class as a social system: Some of its functions in American society. Harvard Educational Review, 29(4), 297-318.
Piaget, J. (1973). To understand is to invent: The future of education. Grossman Publishers.
Vygotsky, L. S. (1978). Mind in society: The development of higher psychological processes. Harvard University Press.
المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. (2019). أطلس وطني حول المجالات الهشة في التعليم: الفوارق السوسيو-مجالية بالمغرب. منشورات المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.
[1] Parsons, T. (1959). The school class as a social system: Some of its functions in American society. Harvard Educational Review, 29(4), 297-318.
[2] Dewey, J. (1916). Democracy and education: An introduction to the philosophy of education. Macmillan.
[3] Habermas, J. (1989). The structural transformation of the public sphere. MIT Press.
[4] Durkheim, É. (1922). Éducation et sociologie. Félix Alcan
[5] المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. (2019). أطلس وطني حول المجالات الهشة في التعليم: الفوارق السوسيو-مجالية بالمغرب. الرباط: منشورات المجلس الأعلى.
[6] Bourdieu, P., & Passeron, J. C. (1970). La reproduction: Éléments pour une théorie du système d’enseignement. Éditions de Minuit
[7] Parsons, T. (1959). The school class as a social system: Some of its functions in American society. Harvard Educational Review, 29(4), 297-318
[8] Piaget, J. (1973). To understand is to invent: The future of education. Grossman Publishers.
[9] Vygotsky, L. S. (1978). Mind in society: The development of higher psychological processes. Harvard University Press.
[10] Gramsci, A. (1971). Selections from the prison notebooks (Q. Hoare & G. N. Smith, Eds. & Trans.). International Publishers.
[11] Crozier, M. (1963). Le phénomène bureaucratique: Essai sur les tendances bureaucratiques des systèmes d’organisation modernes et sur leurs relations avec le système social. Éditions du Seui
[12] Hood, C. (1991). A public management for all seasons?. Public Administration, 69(1), 3-19.
[13] Freire, P. (1970). Pedagogy of the oppressed. Herder and Herder.
[14] Fukuyama, F. (1995). Trust: The social virtues and the creation of prosperity. Free Press.
[15] Deming, W. E. (1986). Out of the crisis. Massachusetts Institute of Technology, Center for Advanced Engineering Study.
[16] Briand, A. (1922). Paroles de paix. Édouard Cornély.










اترك تعليقاً
لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *