728 x 90

الخطاب الإشهاري المغربي بين اللغة والحجاج والتلقي، د: محمد دهبي

الخطاب الإشهاري المغربي بين اللغة والحجاج والتلقي، د: محمد دهبي

الخطاب الإشهاري المغربي بين اللغة والحجاج والتلقي

دراسة لسانية تداولية في ضوء كتاب: “الإشهار: قضايا في اللغة والحجاج والتلقي” لعبد الله شكربة، 

محمد دهبي

ملخص المقال:

يتناول هذا المقال الخطاب الإشهاري المغربي بوصفه خطابا تواصليا وحجاجيا يجمع بين اللغة والصورة والتأثير والإقناع، انطلاقا من كتاب “الإشهار: قضايا في اللغة والحجاج والتلقي” للباحث عبد الله شكربة. وقد ركز على دراسة الخصيصات اللغوية والتداولية للإشهار المغربي وآليات التأثير التي يعتمدها في مخاطبة المتلقي. كما تناول مفهوم الإشهار وأنواعه وخصيصات الإشهار التلفزي والصحفي، مع إبراز دور اللغة في بناء الخطاب الإشهاري. وناقش ظاهرتي الازدواجية اللغوية والاقتراض اللغوي داخل الإعلانات المغربية، خصيصا في القناة الأولى والصحافة المكتوبة. كما عالج آليات الحجاج والإقناع في ضوء تصورات شاييم بيرلمان وجون أوستين وجون سورل وأوزوالد ديكرو وجان كلود أنسكومبر، خاصة السلم الحجاجي والروابط الحجاجية والأفعال الكلامية. وانتهى المقال إلى أن الدارجة المغربية تُعد الأكثر تأثيرا في المتلقي، بينما ترتبط الفصحى بالمصداقية، والفرنسية بالحداثة والرقي الاجتماعي، مما يجعل الإشهار المغربي مرآة للتحولات اللغوية والثقافية داخل المجتمع المغربي.

الكلمات المفتاح: الإشهار – الخطاب – اللغة – الحجاج – التلقي – التواصل – الإقناع – التأثير..

This article examines Moroccan advertising discourse as a communicative and persuasive practice that combines language and imagery to influence audiences. Based on Abdullah Shakraba’s book Advertising: Issues of Language, Argumentation, and Reception, it analyzes the linguistic and argumentative features of Moroccan advertisements, as well as the role of diglossia and language borrowing. The study highlights the persuasive mechanisms employed in advertising discourse and concludes that Moroccan Darija is the most effective variety in influencing audiences, while Standard Arabic conveys credibility and French symbolizes modernity and social prestige. Thus, Moroccan advertising reflects ongoing linguistic and cultural changes within Moroccan society.

Keywords: Advertising – Discourse – Language – Argumentation – Communication – Persuasion.

مقدمة

يشكل كتاب الإشهار: قضايا في اللغة والحجاج والتلقي من الدراسات اللسانية والتداولية الحديثة التي انفتحت على الخطاب الإشهاري بوصفه خطابا مركبا تتداخل فيه اللغة بالصورة والحجاج بالتأثير والتلقي بالاستهلاك. وقد صدر الكتاب سنة 2022 عن منشورات القلم المغربي، بإشراف علمي لمختبر السرديات بالدار البيضاء، للباحث المغربي عبد الله شكربة، في سياق أكاديمي يشهد تزايد الاهتمام بتحليل الخطابات الإعلامية والإشهارية من منظور لساني وتواصلي.

ويتناول هذا المقال الخطاب الإشهاري المغربي بوصفه خطابا تواصليا وحجاجيا مركبا تتداخل فيه اللغة بالصورة والإقناع بالتأثير والتلقي بالاستهلاك. إذ يسعى المقال إلى إبراز الأبعاد اللسانية والتداولية والحجاجية التي يقوم عليها الإشهار المعاصر، مع التركيز على الخصيصات اللغوية للنص الإشهاري المغربي وآليات الإقناع والتأثير التي يعتمدها في مخاطبة المتلقي، وفق إشكالية مركزية:
إلى أي حدّ يشتغل الخطاب الإشهاري المغربي بوصفه خطابا لغويا وحجاجيا وتداوليا في بناء التأثير والإقناع وتوجيه المتلقي داخل السياق الثقافي والاجتماعي المغربي؟

الأسئلة المتفرعة:

  • ما الخصيصات اللغوية والتداولية التي تميز الخطاب الإشهاري المغربي؟
  • كيف يوظف الإشهار آليات الحجاج والإقناع لبناء التأثير في المتلقي؟
  • ما دور السلم الحجاجي والروابط الحجاجية والأفعال الكلامية في تحقيق الوظيفة الإقناعية للإشهار؟
  • ما طبيعة العلاقة التواصلية القائمة بين المرسل والمتلقي داخل العملية الإشهارية؟
  • كيف يتلقى المستهلك المغربي الرسالة الإشهارية وفق مرجعياته اللغوية والثقافية والاجتماعية؟
  • ما أثر التعدد اللغوي والازدواجية اللغوية في فعالية الخطاب الإشهاري المغربي؟
  • إلى أي حد يسهم الإشهار في تشكيل السلوك الاستهلاكي والتمثلات الاجتماعية داخل المجتمع المغربي؟

استنادا إلى هذه الإشكالية والأسئلة الفرعية، قسمنا المقال إلى أربعة محاور هي على الشكل الآتي:

  • الإشهار: المفهوم والأنواع، والأسس والخصيصات التلفزية والصحفية.
  • اللغة والوصلة الإشهارية وخصائص النص اللساني ووظائفه في الخطاب الإشهاري المغربي دراسة في ازدواجية اللغة والاقتراض اللغوي من خلال جريدتي المساء والأخبار والقناة الأولى المغربية.
  • الحجاج في الخطاب الإشهاري بين السلم الحجاجي والروابط الحجاجية ونظرية الأفعال الكلامية: دراسة في ضوء تصورات شاييم بيرلمان وجون أوستين وجون سورل وأوزوالد ديكرو وجان كلود أنسكومبر
  • تلقي اللغة الإشهارية: دراسة تطبيقية حول مشاهدة القناة الأولى المغربية واللغة المفضلة لدى المتلقي.

يعالج المقال مفهوم الإشهار وأنواعه وأسسه النفسية والتواصلية، مبرزا الخصيصات التي تميز الإشهار التلفزي والصحفي، كما توقف عند طبيعة اللغة الإشهارية ووظائفها التداولية والحجاجية داخل السياق المغربي، خاصة من خلال ظاهرتي الازدواجية اللغوية والاقتراض اللغوي في الصحافة المكتوبة والقنوات التلفزية المغربية، لاسيما القناة الأولى المغربية. كما تناول المقال آليات الحجاج في الخطاب الإشهاري في ضوء تصورات شاييم بيرلمان وجون أوستين وجون سورل وأوزوالد ديكرو وجان كلود أنسكومبر، من خلال دراسة السلم الحجاجي والروابط والعوامل الحجاجية ونظرية الأفعال الكلامية، مبرزا دورها في بناء التأثير والإقناع وصناعة الرغبة الاستهلاكية. وفي الجانب التطبيقي، ناقش المقال مسألة تلقي اللغة الإشهارية لدى المشاهد المغربي، مبرزا أن الدارجة المغربية تُعد اللغة الأكثر قربا وتأثيرا في المتلقي، في حين تحافظ العربية الفصحى على بعدها الرسمي والتوجيهي، بينما ترتبط اللغة الفرنسية بدلالات الحداثة والرقي الاجتماعي. وانتهى المقال إلى أن الخطاب الإشهاري المغربي يمثل نسقًا لغويًا وثقافيًا وحجاجيًا معقدًا يعكس التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع المغربي المعاصر. فقد أضحى الإشهار في المجتمعات المعاصرة مؤسسة رمزية وثقافية تتجاوز بعدها التجاري المحض، إذ لم يعد مجرد وسيلة للتعريف بالسلع والخدمات، بل تحول إلى خطاب لغوي وحجاجي يمارس سلطة التأثير والإقناع وتوجيه السلوك الاستهلاكي. ومن هذا المنطلق، برزت الحاجة إلى مقاربة الخطاب الإشهاري بوصفه بنية تداولية وسميائية معقدة تستثمر مختلف الآليات اللغوية والبلاغية والنفسية لتحقيق غاياتها الإقناعية. وفي هذا السياق، يأتي كتاب “الإشهار: قضايا في اللغة والحجاج والتلقي” ليقدم معالجة علمية لقضايا اللغة والحجاج والتلقي في الخطاب الإشهاري المغربي، مستفيدًا من مناهج اللسانيات التداولية والبلاغة الجديدة ونظريات التلقي وتحليل الخطاب. وقد حاول المؤلف من خلال هذه الدراسة الكشف عن الكيفية التي تُبنى بها الرسالة الإشهارية لغويا وحجاجيا، ومدى تأثيرها في المتلقي المغربي. بذلك، يشكل الإشهار في العصر الحديث إحدى أبرز الظواهر التواصلية والإعلامية التي ارتبطت بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي عرفتها المجتمعات المعاصرة، إذ لم يعد مجرد وسيلة تجارية للتعريف بالسلع والخدمات، بل تحول إلى صناعة رمزية وثقافية تمارس تأثيرا عميقا في الأفراد والجماعات، من خلال توجيه السلوك الاستهلاكي وبناء التمثلات الاجتماعية والقيم الثقافية. فالإشهار اليوم أصبح حاضرا بقوة في مختلف تفاصيل الحياة اليومية عبر التلفاز والصحافة والإذاعة والوسائط الرقمية، مستندا إلى آليات لغوية وبصرية وحجاجية دقيقة تستهدف التأثير في المتلقي وإقناعه وقول الباحث في كتابه: “إن الإعلان، والإشهار هما وجهان لعملة واحدة. حيث يكثر الإعلان عند المشارقة في عين نجد الإشهار عند المغاربة”[1]. وقد أسهم التطور التكنولوجي واشتداد المنافسة الاقتصادية في تنوع الخطابات الإشهارية وتعدد وسائطها وأساليبها، مما جعل الإشهار مجالا خصبا للدراسة والتحليل، بالنظر إلى ما يملكه من قدرة على التأثير في الرأي العام وصناعة الحاجات وتوجيه الاختيارات الفردية والجماعية. فضلا عن ذلك فإن الإشهار لم يعد نشاطا اقتصاديا صرفا، بل أضحى خطابا تواصليا وثقافيا يوظف اللغة والصورة والإقناع النفسي من أجل تحقيق غاياته التأثيرية. وانطلاقا من هذه الأهمية، يثير موضوع الإشهار مجموعة من التساؤلات الجوهرية المرتبطة بمفهومه وأنواعه وأسسه وخصيصاته في المجالين التلفزي والصحفي خصيصا، لأنهما من أبرز الوسائط الإشهارية تأثيرا وانتشارا.

1 ـــ الإشهار: المفهوم والأنواع والأسس والخصيصات التلفزية والصحفية

يُعرَّف الإشهار لغة بأنه الإظهار والإعلان والإذاعة بين الناس، أما اصطلاحا فهو عملية تواصلية تهدف إلى التأثير في المتلقي عبر تقديم رسالة إعلامية أو تجارية أو توجيهية بقصد إقناعه بفكرة أو منتج أو خدمة معينة. كما يُنظر إليه بوصفه خطابا حجاجيا يعتمد على وسائل لغوية وبصرية ونفسية من أجل توجيه السلوك الاستهلاكي وتحفيز الأفراد على اتخاذ قرارات محددة، خصيصا في المجال التجاري. ولذلك يتميز الإشهار بكونه خطابا إقناعيا وجماهيريا يجمع بين البعد الاقتصادي والثقافي والاجتماعي. وتتنوع الإشهارات بتنوع أهدافها ووسائطها والجمهور المستهدف، حيث نجد الإشهار التجاري الذي يهدف إلى الترويج للسلع والخدمات وتحفيز المستهلك على اقتنائها عبر تقنيات الإغراء والإقناع، ثم الإشهار الاجتماعي الذي يسعى إلى نشر القيم الإيجابية والتوعية بقضايا الصحة والبيئة والسلامة، إضافة إلى الإشهار السياسي المرتبط بالتأثير في الرأي العام والترويج للبرامج السياسية، فضلًا عن الإشهار الثقافي الذي يهتم بالتعريف بالأنشطة الفكرية والفنية، والإشهار الرقمي الذي فرض نفسه مع تطور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لما يتميز به من سرعة الانتشار ودقة الاستهداف. ويقوم الإشهار على مجموعة من الأسس العلمية والنفسية والتواصلية التي تضمن فعاليته التأثيرية، وفي مقدمتها الأساس النفسي الذي يعتمد على دراسة حاجات الإنسان ورغباته، مثل الحاجة إلى الجمال والراحة والتميز والأمان، لذلك يوظف الإشهار صورا ورموزا قادرة على إثارة العاطفة والانفعال. كما يرتكز على أساس لغوي يتمثل في اختيار ألفاظ قصيرة ومؤثرة وشعارات جذابة تستثمر التكرار والسجع والاستعارة وغيرها من الأساليب البلاغية. وإلى جانب ذلك، يعتمد الإشهار على البعد الحجاجي من خلال توظيف الحجج العقلية والعاطفية والإيحائية قصد التأثير في المتلقي وإقناعه، فضلا عن الأساس البصري الذي يمنح الصورة والألوان والحركة دورا أساسا في جذب الانتباه وتحقيق التأثير. أما من الناحية الاقتصادية، فإن الإشهار يرتبط بالسوق والمنافسة التجارية، حيث يسعى إلى رفع المبيعات وتوسيع قاعدة المستهلكين وبناء صورة إيجابية للعلامة التجارية، وفق أسسا وحجة تحفز المتلقي بدوافع متعددة حصرها الباحث في: “حاجات فيزيولوجية وحاجات أمنية وحاجات علائقية وحاجات ذاتية التحقق”[2].

ومن أبرز أنواع الإشهار المعاصر الإشهار التلفزي الذي يُعد من أكثر الوسائط تأثيرا، نظرا لقدرته على الجمع بين الصورة والصوت والحركة والمؤثرات البصرية، مما يمنحه قوة كبيرة في التأثير النفسي والإقناع العاطفي. كما يتميز بالسرعة والاختزال والجاذبية والإبهار، إضافة إلى انتشاره الواسع بين مختلف الفئات الاجتماعية. وفي المقابل، يتميز الإشهار الصحفي باعتماده على اللغة المكتوبة والصورة الثابتة والعنوان الجذاب، كما يتيح للقارئ إمكانية إعادة قراءة الإعلان والتأمل في تفاصيله، فضلا عن كونه أقل تكلفة وأكثر قدرة على استهداف جمهور متخصص حسب طبيعة الصحف والمجلات. وبذلك يتضح أن الفرق بين الإشهار التلفزي والصحفي يكمن أساسا في طبيعة الوسيط وآليات التأثير، فالإشهار التلفزي يعتمد على الإبهار البصري والتأثير السريع والعاطفي، بينما يقوم الإشهار الصحفي على قوة اللغة والتفصيل والإقناع العقلاني والتأمل.

إن الإشهار أصبح ظاهرة تواصلية وثقافية واقتصادية معقدة تتجاوز بعدها التجاري التقليدي، إذ أضحى أداة فعالة في تشكيل القيم والتمثلات الاجتماعية وأنماط الاستهلاك داخل المجتمع المعاصر. كما أن التطور التكنولوجي أسهم في تنويع أشكال الخطاب الإشهاري وأساليب اشتغاله، خاصة في المجالين التلفزي والصحفي، اللذين يشكلان نموذجين بارزين للتأثير الإعلامي والإقناع الجماهيري. وعلى الرغم من الأدوار الاقتصادية والتواصلية التي يؤديها الإشهار، فإنه يطرح في المقابل عدة إشكالات أخلاقية وثقافية تتعلق بسلطة التأثير والتوجيه والاستهلاك، مما يجعل التعامل معه يتطلب وعيا نقديا يوازن بين حرية التواصل وحماية المتلقي من التضليل والاستلاب الاستهلاكي، بما يضمن توظيف الإشهار في خدمة التنمية والتوعية بدل تكريس النزعة الاستهلاكية المفرطة.

2 ـــ اللغة والوصلة الإشهارية وخصائص النص اللساني ووظائفه في الخطاب الإشهاري المغربي دراسة في ازدواجية اللغة والاقتراض اللغوي من خلال جريدتي المساء والأخبار والقناة الأولى المغربية

اللغة في الخطاب الإشهاري

ركز المؤلف على مركزية اللغة داخل البناء الإشهاري، معتبرا أن اللغة ليست عنصرا مساعدا للصورة فحسب، بل هي آلية دلالية وتوجيهية تؤدي وظائف متعددة، أهمها الشرح والتفسير والتأكيد والإقناع والتأثير، بوظائف عديدة أهمها “الشرح والتوضيح لفحوى الرسالة الإشهارية في بعض الوصلات الإشهارية التي يطقى عليها الجانب الأيقوني”[3] ويبرز الكتاب أن اللغة الإشهارية تتسم بجملة من الخصيصات، منها:

  • الاختزال والتركيز؛
  • الإيقاع والجاذبية؛
  • البعد التداولي؛
  • الانزياح البلاغي؛
  • التداخل اللغوي والاقتراض من اللغات الأجنبية.

وتناول المؤلف ظاهرة الازدواجية اللغوية داخل الإشهار المغربي، حيث تتجاور العربية الفصحى والدارجة والفرنسية في الرسالة الإشهارية الواحدة، بهدف توسيع دائرة التأثير ومخاطبة شرائح اجتماعية متعددة. وقد اعتبر الباحث أن هذا التعدد اللغوي يعكس طبيعة المجتمع المغربي بوصفه فضاءً لغويا وثقافيا متنوعا. حيث يُعد الخطاب الإشهاري من أبرز الخطابات التواصلية المعاصرة التي تجمع بين الوظيفة الاقتصادية والبعد الثقافي والتأثير الرمزي، إذ لم يعد الإشهار مجرد وسيلة للتعريف بالمنتجات والخدمات، بل تحول إلى نسق لغوي وسميائي متكامل يسعى إلى التأثير في المتلقي وتوجيه اختياراته وتمثلاته الاجتماعية والثقافية. ومن هذا المنطلق، أصبحت اللغة عنصرا محوريا داخل العملية الإشهارية، بوصفها الأداة الرئيسة لبناء المعنى وتحقيق الإقناع والتأثير. وقد عرف الإشهار المغربي خلال العقود الأخيرة تطورا ملحوظا بفعل التحولات الإعلامية والتكنولوجية والانفتاح الثقافي، الأمر الذي انعكس على طبيعة اللغة المستعملة داخل الوصلات الإشهارية، خاصة في الصحافة المكتوبة والقنوات التلفزية. ويظهر ذلك بوضوح في الإعلانات المنشورة داخل جريدة المساء وجريدة الأخبار، أو في الوصلات الإشهارية المعروضة عبر القناة الأولى المغربية، حيث تتداخل العربية الفصحى والدارجة المغربية واللغة الفرنسية وأحيانًا الإنجليزية، في إطار ما يُعرف بازدواجية اللغة والاقتراض اللغوي. وانطلاقا من هذه المعطيات، يطرح موضوع اللغة في الخطاب الإشهاري المغربي مجموعة من التساؤلات، من أبرزها: ما المقصود بالوصلة الإشهارية؟ وما خصائص النص اللساني داخل الخطاب الإشهاري المغربي؟ وما الوظائف التي تؤديها اللغة في الإعلانات المغربية؟ وكيف تتجلى ازدواجية اللغة والاقتراض اللغوي داخل الصحافة المكتوبة والإشهار التلفزي المغربي؟

تُعرَّف الوصلة الإشهارية بأنها رسالة تواصلية قصيرة تُبث عبر وسائط إعلامية مختلفة بهدف الترويج لسلعة أو خدمة أو فكرة معينة، وذلك من خلال توظيف تقنيات لغوية وبصرية ونفسية تسعى إلى التأثير في المتلقي وإقناعه. وتقوم الوصلة الإشهارية على مجموعة من العناصر الرئيسة، تتمثل في المرسل والرسالة الإشهارية والوسيط الإعلامي والمتلقي والهدف التأثيري والإقناعي. لذلك يتميز الخطاب الإشهاري بكونه خطابًا حجاجيا وتداوليا يعتمد على الاختزال والتركيز والإيحاء، كما يوظف اللغة والصورة والموسيقى والشعار لبناء علاقة تأثيرية مع الجمهور المستهدف، “بمعيار الصدق والكذب فهي جمل تسعى إلى تغيير الواقع وليس وصفه والإخبار عن حالة ثابتة”[4]. ويتميز النص اللساني داخل الإشهار المغربي بمجموعة من الخصيصات الأسلوبية والتداولية التي تجعله خطابا متميزا عن باقي الخطابات الإعلامية. ومن أبرز هذه الخصيصات خاصية الاختزال والتركيز، حيث يعتمد النص الإشهاري على الجمل القصيرة والشعارات السهلة الحفظ بهدف ضمان سرعة التلقي والتأثير، مع التركيز على ألفاظ ذات حمولة إيحائية مثل الجودة والثقة والتميز والأصالة. كما يتسم النص الإشهاري بالخاصية الحجاجية، لأنه يسعى إلى الإقناع عبر توظيف الحجة العقلية والعاطفية والتكرار والإيحاء النفسي، إضافة إلى استثمار شخصيات مشهورة وصور رمزية لتعزيز مصداقية المنتوج وترسيخ الثقة لدى المتلقي.

ومن الخصيصات الأساس أيضا البعد التداولي، حيث يراعي الخطاب الإشهاري السياق الاجتماعي والثقافي للمتلقي المغربي، لذلك يعتمد تعبيرات قريبة من الحياة اليومية، خصيصا عبر توظيف الدارجة المغربية داخل الوصلات التلفزية والإعلانات الصحفية. كما يعتمد النص الإشهاري على الانزياح البلاغي من خلال توظيف الاستعارة والمجاز والسجع والجناس لإضفاء طابع جمالي وإيحائي على الرسالة الإشهارية. وإلى جانب ذلك، تتكامل اللغة مع الصورة داخل الإشهار المغربي من أجل إنتاج المعنى وتحقيق التأثير، خاصة في الإشهار التلفزي بالقناة الأولى المغربية. وتؤدي اللغة داخل الخطاب الإشهاري المغربي مجموعة من الوظائف التواصلية والتأثيرية، أهمها الوظيفة الإخبارية التي تتمثل في تقديم معلومات حول المنتوج أو الخدمة، والوظيفة التأثيرية والإقناعية التي تهدف إلى دفع المتلقي نحو الاستهلاك أو الاقتناع بفكرة معينة. كما تؤدي اللغة وظيفة جمالية عبر توظيف الأساليب البلاغية والإيقاع اللغوي والشعارات الجذابة، إضافة إلى الوظيفة التداولية التي تسعى إلى خلق تفاعل مباشر مع المتلقي من خلال أوامر وتحفيزات مثل: جرّب الآن واختر الأفضل. أما الوظيفة الثقافية فتظهر في كون اللغة الإشهارية تعكس التحولات الثقافية والقيم الاجتماعية السائدة داخل المجتمع المغربي، خاصة ما يرتبط بالاستهلاك والحداثة والنجاح الاجتماعي، وفق “أفعال إنجازية مباشرة في النص الإشهاري المغربي من أفعال توجيهية وإلزامية وتعبيرية وتصريحية وحُكمية أو إخبارية”[5].

وتُعد ازدواجية اللغة من أبرز خصائص الخطاب الإشهاري المغربي، حيث تتجاور العربية الفصحى والدارجة المغربية واللغة الفرنسية داخل الإعلان الواحد. فالعربية الفصحى تُستخدم غالبًا في الإعلانات الرسمية والمؤسساتية لما تمنحه من الجدية والمصداقية والطابع الرسمي، بينما تُوظف الدارجة المغربية للتقرب من الجمهور وخلق الألفة وتبسيط الرسالة الإشهارية، خصيصا في الوصلات التلفزية بالقناة الأولى المغربية. أما اللغة الفرنسية فتحضر بقوة داخل الإعلانات المرتبطة بالبنوك وشركات السيارات ومستحضرات التجميل والتعليم الخاص، ويرجع ذلك إلى الإرث اللغوي الاستعماري وإلى ارتباط الفرنسية بصورة الحداثة والرقي الاجتماعي داخل المتخيل الجماعي المغربي.

وفي السياق نفسه، يبرز الاقتراض اللغوي باعتباره سمة أساسية داخل الإشهار المغربي، ويتمثل في إدخال ألفاظ وتعبيرات أجنبية داخل الخطاب الإشهاري، خاصة الكلمات المرتبطة بالتكنولوجيا والموضة والخدمات الحديثة، ويؤدي الاقتراض اللغوي عدة وظائف، منها إضفاء طابع الحداثة وجذب فئة الشباب وربط المنتوج بالجودة العالمية وتعزيز البعد التسويقي للإعلان. غير أن هذا التداخل اللغوي يثير نقاشًا حول تأثيره على الهوية اللغوية والثقافية للمجتمع المغربي في ظل هيمنة اللغات الأجنبية داخل المجال الإعلامي والإشهاري. يتضح أن اللغة داخل الخطاب الإشهاري المغربي ليست مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل تُعد آلية حجاجية وتداولية تسهم في بناء المعنى وتحقيق التأثير والإقناع. كما أن النص اللساني الإشهاري يتميز بخصائص متعددة، من أبرزها الاختزال والإيحاء والحجاج والتكامل مع الصورة، مما يجعله خطابًا مركبًا يجمع بين البعد الجمالي والوظيفة التأثيرية.

وقد أبرزت دراسة الإعلانات المنشورة في جريدة المساء وجريدة الأخبار والوصلات التلفزية المعروضة عبر القناة الأولى المغربية أن الإشهار المغربي يقوم على ازدواجية لغوية واضحة، تتداخل فيها العربية الفصحى والدارجة والفرنسية، إضافة إلى ظاهرة الاقتراض اللغوي التي أصبحت سمة بارزة في الخطاب الإشهاري المعاصر. وبذلك يعكس الإشهار المغربي التحولات الاجتماعية والثقافية واللغوية التي يعرفها المجتمع، كما يكشف عن العلاقة المعقدة بين اللغة والهوية والاستهلاك والتأثير الإعلامي داخل السياق المغربي المعاصر.

3 ـــ الحجاج في الخطاب الإشهاري بين السلم الحجاجي والروابط الحجاجية ونظرية الأفعال الكلامية: دراسة في ضوء تصورات شاييم بيرلمان وجون أوستين وجون سورل وأوزوالد ديكرو وجان كلود أنسكومبر

يُعد الخطاب الإشهاري من أبرز الخطابات التواصلية المعاصرة التي تقوم على الإقناع والتأثير، إذ لا يقتصر دوره على تقديم المعلومات المتعلقة بالسلع والخدمات، بل يتجاوز ذلك إلى توجيه المتلقي وصناعة حاجاته ورغباته الاستهلاكية. ومن هذا المنطلق، أصبح الإشهار مجالًا خصبًا للدراسات التداولية والحجاجية، بالنظر إلى ما يتضمنه من آليات لغوية وبلاغية ونفسية تسعى إلى تحقيق التأثير والإقناع. وقد أسهمت البلاغة الجديدة مع شاييم بيرلمان في إعادة الاعتبار للحجاج بوصفه نشاطا تواصليا يستهدف التأثير في المخاطَب واستمالته، كما ساهمت التداوليات الحديثة مع جون أوستين وجون سورل في إبراز الطابع الإنجازي والتأثيري للغة من خلال نظرية الأفعال الكلامية. وإلى جانب ذلك، قدمت النظرية الحجاجية داخل اللغة عند أوزوالد ديكرو وجان كلود أنسكومبر تصورا جديدا للحجاج قائما على السلم الحجاجي والروابط والعوامل الحجاجية.  وانطلاقًا من هذه المعطيات، يطرح موضوع الحجاج في الخطاب الإشهاري عدة تساؤلات، من أبرزها: كيف يشتغل الحجاج داخل الإشهار؟ وما دور السلم الحجاجي والروابط الحجاجية في بناء التأثير؟ وكيف تسهم الأفعال الكلامية في تحقيق الإقناع؟ وما أهمية طرائق الوصل والاتصال والفصل والانفصال داخل الخطاب الإشهاري؟

مفهوم الحجاج في الخطاب الإشهاري

الحجاج هو مجموعة من الآليات اللغوية والبلاغية والتداولية التي يستعملها المتكلم بهدف التأثير في المتلقي وإقناعه بفكرة أو موقف معين. والإشهار بطبيعته خطاب حجاجي، لأنه يسعى إلى دفع المستهلك نحو الاقتناع بمنتوج أو خدمة معينة من خلال استثمار وسائل التأثير النفسي والعاطفي والعقلي. ويقوم الحجاج الإشهاري على مجموعة من العناصر الأساس، من أهمها: التأثير النفسي والإقناع العقلي واستمالة العاطفة وتوجيه السلوك الاستهلاكي. ومن ثم فإن الخطاب الإشهاري لا يقدم معلومات محايدة، بل يبني عالما رمزيا قائما على الإغراء والإيحاء وصناعة الرغبة.

الحجاج عند شاييم بيرلمان والبلاغة الجديدة

يُعد شاييم بيرلمان من أبرز منظري البلاغة الجديدة، حيث اعتبر أن الحجاج ليس مجرد برهنة منطقية صورية، بل هو نشاط تواصلي يروم التأثير في المتلقي واستمالته نحو تبني أطروحة معينة،[6] “بجملة من المعطيات تعود إلى المكون اللغوي وجملة من المعطيات غير اللغوية تعود إلى المكون البلاغي”. ويرتكز الحجاج عند بيرلمان على مفهوم الجمهور، إذ يرى أن نجاح العملية الحجاجية مرتبط بطبيعة المتلقي المخاطَب، لذلك يعمل الإشهار على دراسة الحاجات النفسية والاجتماعية والثقافية للجمهور من أجل ضمان فعالية التأثير. ولهذا نجد الخطاب الإشهاري يخاطب الشباب بلغة شبابية ويوجه إعلانات الأسرة بلغة عاطفية ويعتمد أحيانا لغة رسمية لإقناع الفئات المحافظة. وقد حدد بيرلمان مجموعة من التقنيات الحجاجية التي يوظفها الإشهار، من أبرزها: حجة المنفعة وحجة الجودة وحجة المقارنة وحجة السلطة والحجاج العاطفي.

فعندما يربط الإشهار منتوجا معينا بالسعادة أو النجاح أو الجمال، فإنه يمارس نوعًا من الحجاج العاطفي الذي يستهدف استمالة المتلقي نفسيا، تستند إلى منطلقات عند بيرلمان “الوقائع والحقائق والافتراضات والقيم والهرميات”[7]، من خلال مجموعة من التقنيات التوجيهية تتجلى في طرائق الوصل أو الاتصال والحجج الشبه المنطقية والحجج الشبه المنطقية التي تعتمد البنى المنطقية من خلال التناقض وعدم الاتفاق والتماثل والحد في الحجاج والعلاقة التبادلية وحجج التعدية الحجج، ثم الحجج الشبه المنطقية التي تعتمد العلاقات الرياضية التي تتكون من إدماج الجزء في الكل وتقسيم الكل إلى أجزائه المكونة له وثم الحجج المؤسَّسة على بنية الواقع والحجج المؤسِّسة لبنية الواقع”[8] .

السلم الحجاجي والروابط والعوامل الحجاجية عند ديكرو وأنسكومبر

طور أوزوالد ديكرو وجان كلود أنسكومبر نظرية الحجاج داخل اللغة، معتبرين أن اللغة في ذاتها تحمل وظيفة حجاجية، وأن بنية الخطاب اللغوي تقوم على توجيه المتلقي نحو نتائج معينة. ومن أهم مفاهيم هذه النظرية مفهوم السلم الحجاجي، الذي يقصد به ترتيب الحجج داخل الخطاب من الأضعف إلى الأقوى من أجل تحقيق التأثير التدريجي في المتلقي. ويظهر السلم الحجاجي داخل الإشهار من خلال: التدرج في عرض مزايا المنتوج والانتقال من الحجة العقلية إلى الحجة العاطفية وتصعيد التأثير النفسي بصورة تدريجية. ومن أمثلة ذلك: منتوج اقتصادي، عالي الجودة، والأكثر مبيعا في السوق. فهنا تتدرج الحجج من المنفعة الاقتصادية إلى الجودة ثم إلى حجة الشهرة الاجتماعية. كما يعتمد الخطاب الإشهاري على الروابط الحجاجية التي تربط بين الحجج والنتائج، مثل: لأن وإذن ولكن وبل وحتى ولذلك. إذ تؤدي هذه الروابط دورا أساسا في توجيه المعنى وربط المقدمات بالنتائج داخل الخطاب الإشهاري. أما العوامل الحجاجية فهي ألفاظ أو تعبيرات تعمل على تقوية الحجة أو إضعافها، مثل؛ فقط وبالفعل وحتما وتقريبا وحتى.  وتوظف هذه العوامل داخل الإعلانات من أجل تعزيز التأثير والإيحاء النفسي.

نظرية الأفعال الكلامية عند أوستين وسورل

ترى التداولية الحديثة أن اللغة ليست مجرد أداة لوصف الواقع جمل مستقلة تامة يقابلها إنجاز عمل لغوي واحد على الأقل[9]، بل هي وسيلة لإنجاز أفعال وتأثيرات اجتماعية. وقد ميز جون أوستين بين ثلاثة أنواع من الأفعال الكلامية: الفعل القولي الذي يتمثل في إنتاج الجملة ولفعل الإنجازي الذي يعبر عن المقصد من الكلام، مثل الأمر والوعد والإقناع والفعل التأثيري الذي يتمثل في الأثر الذي يحدثه الكلام في المتلقي. ويظهر ذلك بوضوح في الخطاب الإشهاري، لأن الإعلان لا يكتفي بعرض المنتوج، بل يسعى إلى دفع المستهلك نحو الشراء والتفاعل مع الرسالة الإشهارية. أما جون سورل فقد طور نظرية أوستين وصنف الأفعال الكلامية إلى: أفعال إخبارية وأفعال توجيهية وأفعال التزامية وأفعال تعبيرية وأفعال تصريحية. ويعتمد الإشهار أساسا على الأفعال التوجيهية مثل: جرّب واختر ولا تفوت الفرصة. كما يعتمد على الأفعال الالتزامية عبر تقديم وعود تتعلق بالجودة والراحة والتميز.

طرائق الوصل والاتصال والفصل والانفصال في الخطاب الإشهاري

تشكل طرائق الوصل والفصل من أهم الآليات الحجاجية داخل الخطاب الإشهاري.

فالوصل والاتصال يقومان على الربط بين الأفكار والصور والقيم من أجل بناء انسجام دلالي داخل الإعلان، مثل ربط المنتوج بالسعادة وربط السيارة بالنجاح وربط مستحضرات التجميل بالجمال والثقة. ويهدف هذا الاتصال إلى خلق علاقة ذهنية بين المنتوج وقيم إيجابية داخل وعي المتلقي. أما الفصل والانفصال فيقومان على التمييز بين المنتوج المعلن عنه وباقي المنتجات المنافسة، وذلك عبر: لمقارنة وإبراز الخصوصية والتركيز على التفوق والجودة. ومن أمثلة ذلك: الأفضل في السوق والجودة التي تستحقه والأكثر ثقة لدى المستهلكين. ويهدف هذا الفصل إلى إقناع المتلقي بتميز المنتوج وفرادته مقارنة بباقي المنتجات. يتضح، بذلك، أن الخطاب الإشهاري خطاب حجاجي بامتياز، يقوم على توظيف مجموعة من الآليات اللغوية والتداولية والبلاغية من أجل التأثير في المتلقي وتوجيه سلوكه الاستهلاكي. وقد أسهمت البلاغة الجديدة مع شاييم بيرلمان في إبراز البعد الإقناعي للحجاج، بينما كشفت التداوليات الحديثة مع جون أوستين وجون سورل عن الطابع الإنجازي والتأثيري للغة داخل الإشهار. وأوضحت النظرية الحجاجية عند أوزوالد ديكرو وجان كلود أنسكومبر أن اللغة ذاتها تحمل بنية حجاجية قائمة على السلم الحجاجي والروابط والعوامل الحجاجية، وهو ما يجعل الخطاب الإشهاري قادرًا على بناء التأثير والإقناع بصورة تدريجية ومنظمة. وعليه، فإن الإشهار المعاصر لم يعد مجرد خطاب إعلامي أو اقتصادي، بل أصبح نسقًا حجاجيًا وثقافيًا معقدًا يوظف اللغة والصورة والحجاج والتداولية من أجل صناعة الرغبة وتوجيه الوعي الاستهلاكي داخل المجتمع المعاصر.

الحجاج وآليات الإقناع

يشكل الحجاج محورا أساسا في الكتاب، لأن الإشهار في جوهره خطاب إقناعي يسعى إلى دفع المتلقي نحو الاستهلاك واتخاذ قرار الشراء. وقد استثمر المؤلف في هذا الباب تصورات البلاغة الجديدة عند شاييم بيرلمان، خاصة ما يتعلق بالحجاج التداولي وتقنيات التأثير في الجمهور، وفق مكون وصفي ومكون دلالي ومكون حجاجي لكل من إشهار كوكا كولا أو إشهار السعادة شروخان[10]. ويبين الكتاب أن الخطاب الإشهاري يعتمد على عدة آليات حجاجية، من أهمها؛ حجة المنفعة وحجة الجودة وحجة السلطة والحجاج العاطفي والتكرار والإيحاء وتوظيف الصورة والرمز. وفي هذا الإطار، يوضح المؤلف أن النص الإشهاري لا يقدم معلومات محايدة، بل يبني عالمًا رمزيًا يسعى إلى خلق الرغبة لدى المتلقي وربط المنتج بقيم الجمال والنجاح والتميز والسعادة.

4 ـــــ تلقي اللغة الإشهارية: دراسة تطبيقية حول مشاهدة القناة الأولى المغربية واللغة المفضلة لدى المتلقي

التلقي والبعد التداولي

اهتم الكتاب كذلك بآليات التلقي، معتبرا أن نجاح الإشهار لا يتحقق فقط بجودة الرسالة، بل أيضا بقدرتها على التأثير في المتلقي واستثارة استجابته النفسية والاجتماعية. وقد تناول المؤلف عناصر العملية التواصلية داخل الإشهار، وهي: المرسل والرسالة والوسيط والمتلقي والمقصدية التداولية. ومن أبرز ما يميز الدراسة انفتاحها على الجانب التطبيقي، حيث اعتمد الباحث استمارات واستبيانات لتحليل كيفية تلقي الجمهور المغربي للإعلانات التلفزية، خاصة بالقناة الأولى المغربية. وقد خلص إلى أن المتلقي المغربي لا يتعامل مع الإشهار بوصفه خطابا بريئا، بل يخضعه للتأويل والنقد والتقييم وفق خلفياته الاجتماعية والثقافية. فتجلت بذلك القيمة العلمية للكتاب في عدة مستويات:

  1. المستوى المعرفي: إذ يفتح مجالا بحثيا مهما يتعلق بتحليل الخطاب الإشهاري المغربي من منظور لساني تداولي؛
  2. المستوى المنهجي: حيث يوظف مقاربات متعددة تجمع بين اللسانيات والحجاج والسميائيات ونظريات التلقي؛
  3. المستوى التطبيقي: لاعتماده نماذج إشهارية مغربية واقعية وتحليلها تحليلا علميا دقيقا؛
  4. المستوى الثقافي: لأنه يكشف العلاقة بين الإشهار والثقافة والاستهلاك والهوية اللغوية داخل المجتمع المغربي.

يشكل الإشهار أحد أهم الوسائل التواصلية المعاصرة التي تسعى إلى التأثير في المتلقي وتوجيه سلوكه الاستهلاكي والثقافي، وذلك عبر توظيف مجموعة من الآليات اللغوية والبصرية والحجاجية التي تجعل الرسالة الإشهارية أكثر قدرة على الإقناع والاستمالة. ولم يعد نجاح الإشهار مرتبطا فقط بجودة المنتوج أو كثافة بثه، بل أصبح رهينا بمدى قدرة الخطاب الإشهاري على التفاعل مع انتظارات الجمهور ولغته وثقافته وتمثلاته الاجتماعية. وفي السياق المغربي، يكتسي موضوع تلقي اللغة الإشهارية أهمية كبيرة بالنظر إلى التعدد اللغوي الذي يميز المجتمع المغربي، حيث تتجاور العربية الفصحى والدارجة المغربية واللغة الفرنسية، إضافة إلى حضور متزايد للغة الإنجليزية داخل بعض الوصلات الإشهارية. ويظهر هذا التنوع بشكل واضح في الإعلانات التي تبثها الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة عبر القناة الأولى المغربية، والتي تستهدف فئات اجتماعية وثقافية متعددة. وانطلاقًا من ذلك، يطرح موضوع تلقي اللغة الإشهارية عدة تساؤلات، من أبرزها: كيف يتلقى المشاهد المغربي الخطاب الإشهاري؟ وما اللغة الأكثر تأثيرا داخل الوصلات الإشهارية المغربية؟ وهل يفضل المتلقي استعمال العربية الفصحى أم الدارجة المغربية أم اللغة الفرنسية؟ وما أثر هذا الاختيار اللغوي في عملية الإقناع والتأثير؟

مفهوم تلقي اللغة الإشهارية

يقصد بتلقي اللغة الإشهارية الكيفية التي يستقبل بها المتلقي الرسالة الإعلانية ويفسرها ويتفاعل معها نفسيًا وثقافيًا وسلوكيًا. فعملية التلقي لا تتم بصورة آلية، بل تخضع لعوامل متعددة، من أهمها: المستوى الثقافي والسن والوسط الاجتماعي والمرجعية اللغوية وطبيعة الوسيط الإعلامي. ويُعد المتلقي عنصرا محوريا في العملية الإشهارية، لأن نجاح الإعلان يقاس بقدرته على جذب الانتباه وتحقيق التأثير والإقناع.

اللغة الإشهارية في القنوات المغربية

تعتمد الوصلات الإشهارية في القناة الأولى المغربية على تنوع لغوي واضح يعكس طبيعة المجتمع المغربي وتعدده الثقافي. العربية الفصحى: تُستعمل العربية الفصحى غالبا في: الإعلانات الرسمية والحملات التوعوية والإعلانات المؤسساتية وبعض الإعلانات ذات الطابع المحافظ. وتتميز الفصحى بكونها تمنح الخطاب: الجدية والمصداقية والطابع الرسمي. ومن أمثلة ذلك الإعلانات المتعلقة بالصحة والتعليم والخدمات العمومية. الدارجة المغربية: تُعد الدارجة اللغة الأكثر حضورا داخل الوصلات الإشهارية المغربية، لأنها: قريبة من الحياة اليومية وسهلة الفهم وتحقق الألفة مع الجمهور. وتوظف بشكل كبير في: إعلانات المواد الغذائية وشركات الاتصالات والمنتوجات الاستهلاكية. ويهدف استعمال الدارجة إلى خلق شعور بالقرب والتلقائية والتفاعل العاطفي مع المتلقي.

اللغة الفرنسية: تحضر اللغة الفرنسية داخل بعض الإعلانات المرتبطة بالبنوك والسيارات ومستحضرات التجميل والتعليم الخاص. وترتبط الفرنسية في المتخيل الاجتماعي المغربي بمعاني الحداثة والرقي الاجتماعي والجودة. ولهذا يتم توظيفها من أجل استهداف فئات معينة من الجمهور، خاصة الطبقة المتوسطة والعليا. أما الدراسة التطبيقية حول اللغة المفضلة لدى المشاهد المغربي، تكشف الملاحظة التطبيقية للوصلات الإشهارية بالقنوات المغربية أن المتلقي المغربي يميل إلى التفاعل بشكل أكبر مع الإعلانات التي تستعمل الدارجة المغربية، لأنها الأقرب إلى لغته اليومية وإلى واقعه الاجتماعي. تفضيل الدارجة المغربية: تظهر العديد من الإعلانات التلفزية أن استعمال الدارجة يحقق سرعة الفهم وسهولة التلقي والتقارب النفسي مع الجمهور. كما أن الإعلانات التي تعتمد الفكاهة والتعابير الشعبية بالدارجة تكون أكثر قدرة على الانتشار والتذكر. ومن النماذج المتداولة إعلانات شركات الاتصالات وإعلانات المواد الغذائية وإعلانات التنظيف والمنتجات المنزلية.

حضور العربية الفصحى: رغم هيمنة الدارجة، فإن العربية الفصحى ما تزال تحافظ على حضورها داخل الإعلانات ذات الطابع الرسمي أو التوجيهي، خاصة عندما يكون الهدف إلى تعزيز الثقة وإضفاء المصداقية ومخاطبة جمهور واسع. ويظهر ذلك في الحملات الوطنية المتعلقة بالصحة والسلامة الطرقية والتوعية الاجتماعية.

تأثير اللغة الفرنسية: تستعمل الفرنسية غالبًا لإضفاء بعد حداثي وتسويقي على المنتوج، خصيصا في الإعلانات الموجهة إلى فئات حضرية أو ذات مستوى تعليمي مرتفع. غير أن الإفراط في استعمال الفرنسية قد يخلق نوعا من المسافة التواصلية مع بعض فئات المجتمع التي تفضل اللغة العربية أو الدارجة. فالعوامل المؤثرة في تلقي اللغة الإشهارية: يتأثر تلقي اللغة الإشهارية بعدة عوامل، من أبرزها:

  • العامل الاجتماعي: يختلف تلقي الإشهار حسب الفئة الاجتماعية والمستوى الثقافي والاقتصادي للمتلقي؛
  • العامل النفسي: تعتمد الإعلانات على اللغة العاطفية والإيحائية لإثارة الرغبة والانفعال؛
  • العامل الثقافي: ترتبط فعالية اللغة الإشهارية بمدى انسجامها مع القيم والعادات السائدة داخل المجتمع المغربي؛
  • العامل اللغوي: كلما كانت اللغة المستعملة قريبة من المتلقي، ازدادت قدرة الإعلان على التأثير والإقناع.

وظائف اللغة في تلقي الإشهار: تؤدي اللغة داخل الخطاب الإشهاري عدة وظائف، من أبرزها:

  • الوظيفة الإخبارية: تقديم معلومات حول المنتوج أو الخدمة؛
  • الوظيفة التأثيرية: إقناع المتلقي وتحفيزه على الاستهلاك؛
  • الوظيفة الجمالية: توظيف الأساليب البلاغية والشعارات الجذابة؛
  • الوظيفة التداولية: خلق التفاعل المباشر مع الجمهور؛
  • الوظيفة الثقافية: التعبير عن القيم والتحولات الاجتماعية.

بدهي أن تلقي اللغة الإشهارية داخل المجتمع المغربي يرتبط بطبيعة التعدد اللغوي والثقافي الذي يميز المشهد الإعلامي المغربي، حيث تتداخل العربية الفصحى والدارجة المغربية واللغة الفرنسية داخل الوصلات الإشهارية المعروضة في القناة الأولى المغربية وغيرها من القنوات الوطنية. وقد أبرزت الدراسة التطبيقية أن الدارجة المغربية تُعد اللغة الأكثر تأثيرًا وقربًا من المتلقي، لما تحققه من ألفة وسهولة في الفهم والتفاعل، في حين تحافظ العربية الفصحى على بعدها الرسمي والتوجيهي، بينما ترتبط الفرنسية بدلالات الحداثة والرقي الاجتماعي. وبذلك، فإن اللغة الإشهارية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل تمثل أداة حجاجية وثقافية تسهم في بناء التأثير وصناعة الرغبة وتوجيه السلوك الاستهلاكي داخل المجتمع المغربي المعاصر.

على سبيل الختم

يتضح من خلال هذه الدراسة أن الخطاب الإشهاري المغربي لم يعد مجرد وسيلة للتعريف بالسلع والخدمات، بل أصبح نسقا تواصليا وحجاجيا وثقافيا معقدا، يوظف اللغة والصورة والحجاج والتداولية من أجل التأثير في المتلقي وتوجيه سلوكه الاستهلاكي. فالإشهار المعاصر يقوم على استراتيجيات دقيقة تستثمر مختلف الإمكانات اللغوية والبلاغية والنفسية لبناء خطاب قادر على الإقناع وصناعة الرغبة والاستهلاك. وقد أبرزت الدراسة أن اللغة الإشهارية داخل السياق المغربي تتميز بالتنوع والتداخل، حيث تتجاور العربية الفصحى والدارجة المغربية واللغة الفرنسية داخل الرسالة الإشهارية الواحدة، في إطار يعكس طبيعة المجتمع المغربي وتعدده اللغوي والثقافي، كما تبين أن الدارجة المغربية تُعد اللغة الأكثر قدرة على تحقيق القرب النفسي والتفاعل المباشر مع الجمهور، في حين تمنح العربية الفصحى الخطاب بعده الرسمي والمصداقي، بينما ترتبط الفرنسية بمعاني الحداثة والرقي الاجتماعي.

وعلى المستوى الحجاجي، كشف المقال أن الخطاب الإشهاري يعتمد على آليات إقناعية متعددة، من أبرزها السلم الحجاجي والروابط والعوامل الحجاجية والأفعال الكلامية، إضافة إلى تقنيات التأثير العاطفي والإيحائي التي تجعل المتلقي منخرطًا بصورة مباشرة أو غير مباشرة في العملية الإشهارية. وقد أسهمت تصورات شاييم بيرلمان وجون أوستين وجون سورل وأوزوالد ديكرو وجان كلود أنسكومبر في توضيح الكيفية التي يشتغل بها الحجاج داخل الخطاب الإشهاري بوصفه فعلا لغويا وتأثيريا يروم الإقناع والتوجيه. كما أظهرت الدراسة التطبيقية المتعلقة بتلقي اللغة الإشهارية أن المتلقي المغربي لا يستقبل الرسالة الإشهارية بشكل سلبي، بل يتفاعل معها وفق خلفياته الاجتماعية والثقافية واللغوية، مما يجعل عملية التلقي عملية تأويلية تتداخل فيها اللغة بالقيم والتمثلات والمرجعيات الثقافية وبذلك، فإن الإشهار المغربي يمثل اليوم مرآة للتحولات الاجتماعية والثقافية واللغوية التي يعرفها المجتمع المغربي، كما يعكس طبيعة العلاقة المعقدة بين اللغة والهوية والاستهلاك ووسائل التأثير الإعلامي.

ومن ثم، فإن دراسة الخطاب الإشهاري تظل مجالا علميا خصبا يستدعي المزيد من المقاربات اللسانية والتداولية والسميائية لفهم آليات اشتغاله وتأثيره داخل المجتمع المعاصر. حيث خلص كتاب الإشهار: قضايا في اللغة والحجاج والتلقي إلى أن الخطاب الإشهاري لم يعد مجرد خطاب اقتصادي مرتبط بالترويج التجاري، بل أصبح نسقًا تواصليًا وحجاجيًا معقدًا يمارس سلطة رمزية على المتلقي عبر اللغة والصورة والإقناع. كما أبرزت الدراسة أن الإشهار المغربي يعكس تحولات المجتمع المغربي على المستويات اللغوية والثقافية والقيمية، مما يجعل دراسته ضرورة لفهم آليات التأثير وصناعة الرأي والاستهلاك داخل المجتمع المعاصر. وبذلك يشكل هذا الكتاب إضافة نوعية في مجال الدراسات اللسانية والتداولية العربية، لما يقدمه من أدوات تحليلية ورؤية نقدية للخطاب الإشهاري بوصفه خطابًا حجاجيًا يشتغل على اللغة والتأثير والتلقي في آن واحد.

 

 

 

 

 

الهوامش:

[1] – عبد الله شكربة: الإشهار قضايا في اللغة والحجاج والتلقي، منشورات القلم المغربي، إشراف مختبر السرديات بالدار البيضاء، ط 1، 2022، ص: 16.

[2] – نفسه، ص: 26.

[3] – نفسه، ص: 35.

[4] – نفسه، ص: 38.

[5] نفسه، صص: 40ـ- 41- 42- 43- 44.

[6] نفسه، ص: 70.

[7] نفسه، ص: 80.

[8] – نفسه، ص: 80- 81- 82.

[9] نفسه، ص: 69.

[10] نفسه، صص: 86- 87- 88- 89.

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

آخر المقالات