728 x 90

جماليات الكتابة في السرد الرحلي عند الحسن شعيب، د: عبدالقادر الدحمني

جماليات الكتابة في السرد الرحلي عند الحسن شعيب، د: عبدالقادر الدحمني

 

جماليات الكتابة في السرد الرحلي عند الحسن شعيب

د. عبد القادر الدحمني (كاتب روائي وباحث في السرديات)

 

يتقدم النص الرحلي “في مناكبها: ما وراء بحر الروم” للكاتب المغربي لحسن شعيب بوصفه باكورة أعماله الإبداعية، بعد نصوصه القصصية التي تطالعنا بين الفينة والأخرى على بعض المنابر الإعلامية، والكتاب صادر عن دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع بالرباط في 248 صفحة من القطع المتوسط.

والنية في هذا المقال أن نقف على بعض أهم مقومات الكتابة الرحلية عند لحسن شعيب في مؤلفه هذا، بغية استجلاء ما تمتلكه الكتابة عنده من أسس ومقومات جمالية، وما تمتاز به من خصائص تؤهلها لإثراء هذا الجنس الأدبي وتحقيق بعض الإضافة والإغناء. وهو ما يجعلنا بصدد البحث عن أهم العناصر التي أثرت الكتابة الرحلية عند لحسن شعيب، إضافة إلى ما يُتَوَقَّعُ تحقُّقُه بالضرورة من متعة الاطلاع على المجهول، وشغف معرفة الجديد، ولذة التشويق في الحكاية. ومن ثمة أمكننا أن نتوصل إلى مجموعة من الخصائص والمقومات التي أسهمت في تشكيل المعمار الجمالي والدلالي لهذه الرحلة، والتي سنتطرق إليها تباعا:

  • توظيف الميتاسرد:

تشكل المُناصات أو العتبات النصية مداخل أساسية في بناء دلالات النص وتوجيهها، بالقدر الذي توفر فيه مفاتيح مهمة للفهم والتلقي، فهي سيف ذو حدين كما يقال، إذ بالقدر الذي توجه فيه المتلقي نحو مسارات دلالية بعينها، بالقدر الذي قد تشكل عوامل مساعدة على فك الارتباط مع ذلك التوجيه بتصعيد التأويل وفتح الدلالة على آفاق تأويلية جديدة، ليست بالضرورة ما كان يصبو إليه الكاتب من وراء إيرادها. وتشمل تلك العتبات العنوان وغلاف المؤلف والإهداء وكلمة الشكر والإضاءات المعرفية وصيغ التوزيع الغرافيكي وغيرها من المؤشرات الدلالية البالغة الأهمية.

فبالنسبة لعنوان الكتاب مثلا، نجده يتألف من شطرين اثنين، الشطر الأول: “في مناكبها”، وهو يحيل مباشرة إلى خلفية قرآنية إسلامية في التصور المؤطر لفهم الرحلة والتعاطي مع كتابتها، بالإحالة إلى قوله سبحانه “هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه” (سورة الملك، الآية: 15)، وهو الأمر الذي يؤشر على رحلة تحمل معاني التفكُّر والاعتبار ورد الإعجاب بالموجودات والمُكتشفات إلى صانعها وبارئها عز وجل اعترافا ببديع صنعه وعجيب خلقه وحكيم تصريفه، أما الشق الثاني من العنوان “ما وراء بحر الروم”، وهي صيغة تحمل نَفَسَ الفتح بإدراك “الماوراء” والكشف عن المجهول المخبوء هنالك بالاطلاع عما وراء جدارن البعد وحُجُب التعذُّر، كما أن عبارة “بحر الروم” تسمية عربية قديمة أصيلة للبحر الأبيض المتوسط، وهو ما يحمل إصرارا على تبني موقعا ثقافيا أصيلا متجذرا في تربته التصورية الحضارية حَذَرَ الانزياح عنها وهو ما يفصح عن يقين راسخ وثقة متينة في هذا المستند الحضاري، بالقدر نفسه الذي يضمر تخوفا من أي ذوبان ممكن أو انبهار متوقع يزعزع الركون الواثق لمرتكزات الهوية الحضارية للكاتب. وقد تكفلت باقي المُناصات بتأكيد ما قالته المؤشرات السيميائية للعنوان ولصورة الغلاف التي التقطها الكاتب بنفسه وهو على متن طائرة في الأعالي البعيدة فوق البحار.

ومن ذلك توظيف الكاتب لأربعة عشر نصا في إطار الإضاءات المعرفية التي استهل بها كتابه قبل التقديم الذي خَطَّه وبَعْدَه، وهي نصوص تتوزع بين آيات قرآنية وأحاديث نبوية وحِكَم وأشعار وأقوال فلاسفة وفقهاء وأدباء، وتَصُبُّ كلها في داعي تبرير جدوى التأليف والكتابة في الموضوع، وتبيان أهمية الرحلة ومواصفات الرحالة وفوائدها على صحة الإنسان ونفسه وعقله ودينه وحياته برمتها. فكأن تلك النصوص جاءت بمثابة استدلالات مُفْحِمَة لكل من يشكك في جدوى سرد حكايات الأسفار والرحلات وتسجيل وقائعها ومشاهداتها، ولعل الكاتب قد وجد من يثنيه عمّا أراد، أو توجس اعتراضا ما على الاشتغال بالكتابة في المجال فأراد أن يُقْنِعَ ويوضح ويُطَمْئِنَ ويبيّن بعض مزايا ما هو بصدده من التأليف والنشر في المجال.

على أن تلك النصوص في مجملها، تفصح عن حس تأصيلي وهوياتي متجذر في تصور الكاتب ورؤيته للتأليف في الرحلة، وهو الحرص الذي يريد عبره أن تنتظم رحلته ضمن ما يمتع وينفع، وهو ما يفيد تمثلا عن وظيفة الكتابة ذاتها وضرورة استنادها لقصدية سامية، تتجاوز العبثية واللهو الصِّرف، والترف الفكري والمعرفي، إلى رجاء الأثر العملي والانكاس الأخلاقي والحضاري.

كما أن من صميم وظائف هذا الميتاسرد سعي المكتوب إلى تأمُّل نفسه من داخله، وهي الوظيفة الأساس التي قام بها التقديم الذي خطه الكاتب، وزاوج فيه بين سرد جذور وإرهاصات ارتباطه بالرحلة وبداية تشكل وعيه إزاءها وتنامي حلمه بها، وبين محاولة وصف طبيعة مؤلفه ومجمل هواجس الكتابة التي تحكمت في عملية تخلُّق أمشاجه.

وقد وظف المؤلف مجموعة من الصور الشخصية والعامة للتدليل على زيارة بعض المعالم، وتقريب تصورها إلى المتلقي بشكل عام. كما استعان بنصوص أخرى عند عتبة كل فقرة تخص دولة بعينها، بحيث أورد ما يفوق عشرة نصوص، شكلت موجِّهات وإضاءات دلالية تشبه مجموعة من المفاتيح المعرفية في التعاطي مع تاريخ هذه الدول وثقافتها وعقليتها وهويتها.

  • هواجس الكتابة بين التخييل والواقع:

تطرح الكتابة في الرحلة مثلُها مثلُ باقي أجناس الإبداع الأدبي إشكالية العلاقة بين الواقع والنص، ولئن كانت الكتابة الرحلية قد تستند في الغالب إلى مذكرات تكتب غضة طرية في نفس أيام وأسابيع وسنوات الرحلة، فإن الأمر يبقى نسبيا رغم ذلك، في قدرة الكتابة على نقل الواقع كما هو من جهة، وفي صدق ذلك النقل من قِبَلِ الكاتب من جهة ثانية، وفي قدرة اللغة ذاتها على الوفاء بقصدية الكاتب، هذا إضافة إلى السياق الزمني للنشر الذي قد يلقي ببعض ظلاله ويُلْزِمُ ببعض اشتراطاته.

إن علاقة الكتابة بالذاكرة علاقة إشكالية كبرى، يحضر فيها البعد الزمني والبعد اللغوي والبعد الشخصي للكاتب، إضافة إلى بعد التلقي بعد ذلك، وهو ما يجعل تلك العلاقة نسبية ومتأرجحة وليست قارة، بحيث تتأثر الدلالة المبنية بمجمل تلك العوامل والأبعاد، وتختلف المسافة القائمة بين كل بعد وحصيلة المنجز النصي في مؤلف ما، وحتى في حالة كتابة النص خلال زمن الرحلة ذاته، فإن مسألة التنقيح والتوضيب التي تسبق الطبع والنشر، بلا شك ستتضمن مجموعة من العمليات التي تستهدف التجويد والتناسق والإثبات والإبراز في مقابل التهوين والتحجيم أو الإخفاء التام والحذف، وهي مسألة يصبح بعدها الحديث عن النص بوصفه معطى “يعكس الواقع” ضربا من الحلم الطوباوي والسذاجة البعيدة عن الواقع، ذلك أن كل كتابة هي إعادة إنتاج لواقع ما، يتم إدراكه بشروط اللحظة التي قد تتغير وتتبدل سريعا، وكل كتابة هي إذا واقع مواز للواقع الأصلي، أي واقع خاص وذاتي، تتخلَّلُه بالضرورة مقاصد اللغة المكتظّة بالدلالات “القديمة” بتعبير ميخائيل باختين.

ومن هذا المنطلق، بدا الكاتب في سرده الرحلي حاملا فكرة المسافة الزمنية ومتوجسا من آثارها، يقول: “بين أول زيارة لي إلى بلاد “البؤساء”، وكتابة هذه السطور عقدان من الزمان تقريبا” (ص: 25). أي أن البعد التنسيبي للرحلة حاضر لدى المؤلف، ويكفي للتأكيد على صدقية الكاتب والكتابة في لحظة إنتاجها: “المذكرات التي تلي هذه المقدمة هي حصاد كل تلك الجولات، أوردها بحلوها ومرّها، كما بدت لي حين كتبتُها أوّل مرّة” (ص: 25). هكذا إذا تتوزع أهداف الكتابة الرحلية، من خلال التقديم بشكل خاص، بين مجموعة من الهواجس كالآتي:

  • هاجس المعرفة:

ويتخذ بعدا أنطولوجيا من خلال الرغبة الملحة في تحدي المعرفة، والإصرار على خرق الحَصْر المكاني، عبر إبراز الرغبة الطفولية المبكرة في معرفة حدود العالم، الذي بدأ ينكشف تدريجيا من خلال الرحلات الأولى: “أدركت بعدها أن الكون فسيح جدا” (ص: 8). بحيث سيصح السفر حلما راسخا، ضاغطا، ملحا ومتناميا: “صارت زيارة الأندلس منذئذ حلما آخر من أحلام رحلاتي” (ص: 26) – “كانت طنجة حلما تبخّر في لحظة تشاور عائلي، وكبرتُ ولم أنس حلم طنجة” (ص: 11). وهو ما سيجعل تأكيد حصول السفر هاجسا منذ الطفولة، الشي الذي تم التعبير عنه بتأجيل العودة بغية إثبات حصوله، بوصف السفر قدرة على خرق حاجز المكان المحصور (قرية الطفولة) وامتلاك القدرة على الانطلاق بعيدا، ولذلك أيضا فإن المنع من السفر واقعة لا تُنسى أبدا: “أُصِبْتُ بخيبة أمل، وبكيتُ أيّاما” (ص: 10- 11).

  • هاجس التوثيق:

يظهر بشكل جلي أن التوثيق كان من بين أهداف الكتابة الأساسية، بحيث يصير ذا بعد شخصي يؤرخ للذات الكاتبة تارة، ويصير ذا بعد جماعي حين يؤطر معرفيا الوقائع ويدقق المعلومات تارة أخرى، فهو إذا باعث وموجه في الآن نفسه: “بعد تفكير وتردد كبيرين، عقدتُ العزْمَ على تأليف كتاب يُوَثِّقُ ما رأيتُ وسجّلتُ أثناء ضربي في الأرض وسياحتي في مناكبها” (ص: 12). غير أن هاجس التوثيق قد انعكس بشكل كبير على مسألة التدقيق، عبر سرد مجموعة من الإحاطات المعرفية والثقافية المفسِّرة لبعض المظاهر والمشاهد (وقائع تاريخية، أرقام وتواريخ، المقابل اللغوي في الفرنسية أو الإنجليزية، الجذر اللغوي والتاريخي، بعض الإضاءات السياسية والتعليقات الكاشفة..). وهو ما جعل الكاتب أحيانا يوظف عددا من النقول، ويوظف الاستشهادات، ويعتمد على بعض صيغ البحوث الأكاديمية ويضبط الإحالات المرجعية بالدقة اللازمة.

  • هاجس الخوف من الابتذال والتكرار:

ويبدو أن هذا الهاجس جعل الكاتب، وهو بصدد التأليف، تتنازعه مجموعة من التخوفات التي وّلَّدت لديه ترددا خشية السقوط في التكرار والابتذال: “ترددت كثيرا خشية أن يبدُوَ ما سأدونه عاديا للكثيرين” (ص: 12). وتجدر الإشارة إلى أنه لم يتخطّ هذا التخوُّف إلا بعد لَأْيٍ ومُراوحة، عبر إيمانه “بقانون الوفرة لا بقانون الندرة، وبأن كاتبا لا يلغي آخر، بل لكل واحد لمسته الخاصة في الكتابة، ونظرته الفريدة إلى الأشياء” (ص: 12). كما أن لكل ذات خصوصيتها وزاوية نظرها وبصمتها الفريدة التي تعطيها بعض التميز، ولذلك صار متأكدا من “أن لكل واحد ممن كتبوا مقاربة خاصة به لموضوع رحلته، وزاوية نظر مختلفة ومتفردة” (ص: 15).

  • هاجس البعد الأجناسي:

وهو هاجس حاضر بقوة بشكل ضمني، عن طريق إيراد الكاتب لمجموعة من المعطيات التي تدلل على هذا الأمر، خاصة وأنه بصدد إصدار أول مؤلف له في المجال، ولذلك فقد سعى إلى الاطلاع على ما طالت يده من الكتابات الرحلية قديمها وجديدها، سعيا إلى الاستئناس بتلك التجارب، وتحريا للكتابة على الأثر، وليس بالضرورة نسجا على المنوال: “وهكذا رجعتُ إلى كُتُبِ الرحلة ألتهمها، وأقرأ ما بين سطورها، وأقارن منهجيات كُتَّابِهَا” (ص: 14). بحيث سرد ما يفوق عشرة مراجع في المجال.

  • الوعي بهجنة الأدب الرحلي:

إذ يعترف الكاتب أن سرده ليس جردا خالصا لوقائع وأحداث ومجريات سفر فقط، بل هو تعبيرٌ عن مجموعة من الأفكار وعرضٌ للعديد من التأملات: “رأيتُ أن أدلي بدلوي في هذا الفن، وأخرجَ للناس ما كان من تأملات بقيت دفينة مذكراتي الخاصة” (ص: 15). ويبدو أن الكاتب يدرك أن الكتابة الرحلية تتسع لمزيج من الأنواع الأدبية، بوصفها كتابة هجينة، يمكنها أن تستدخل وتستدمج مختلف الفنون والمعارف وأجناس الأدب، ولهذا السبب لم يتردد وهو يقدم توصيفا لكتابه، في جرد ما ورد فيه من أنواع كتابية وألوان أسلوبية وظفها جميعا لبناء سردية رحلته وتجواله في دول غرب أوروبا، قائلا: “هي سيرة رحلية فيها وصف، وسرد لأحداث، وتعليق عليها، ومقارنة بين بلدان، ورسائل صريحة وأخرى بين السطور، فيها فكر وأدب وتاريخ وجغرافيا وفلسفة ولغة وحكمة” (ص: 17).

  • التأطير الثقافي والتجذير التاريخي:

لقد سعى لحسن شعيب وهو بصدد سرد محكيات رحلته في عدد من دول غرب أوروبا، إلى التسلح بحس تاريخي حاد، يوظف التمحيص والمعرفة التاريخية لإضاءة الحاضر وفهمه، استجلاء لكل غموض وتجنبا لأية مغالطات يفرضها واقع الاستتباع الثقافي الذي تعيشه الأمة العربية والإسلامية، وهو بشكل عام لم يثقل السرد الرحلي بالمعلومات التاريخية الزائدة، بل كان قاصدا في توظيفه وانفتاحه وإفادته من التاريخ ومن المعارف العامة، كما أنه قد عَمَدَ إلى البحث والتنقيب في محاولة للضبط والتدقيق، موردا ما صحّ من المعلومات والمعارف، كي يبني صورة أو يسهم في دعم رأي أو يدفع في اتجاه استنتاج معين. ومن ذلك مثلا: “يقع ملعب سانتياغو برنابيو في قلب العاصمة مدريد، افتتح سنة 1947، ويتسع ل 81000 متفرج. وسمي باسم رئيسه السابق، الذي ولد سنة 1895، وتوفي سنة 1978، وقد اشتغل في نادي الريال مدريد لاعبا ومدربا ورئيسا” (ص: 94). ومن ذلك أيضا ما جاء في وصف مدينة فوبرتال الألمانية: “هي التي خرج منها البيان الشيوعي. وهي التي كان يلتقي فيها كارل ماركس وفريدريك إنجلز وتلامذتهما، ومنها خرج الفكر الشيوعي إلى العالم. وبها يوجد البيت الذي ولد فيه إنجلز، والذي أصبح مزارا تشد إليه الرحال، وفي البيت الأرائك والأثاث الذي كان يستعمله الزعيم إنجلز وبعض مخطوطاته والريشة التي كان يكتبها. كما توجد هناك النسخة الخطية للكتاب الشهير رأس المال Das Kapital مكتوبة بخط مؤلفها الزعيم كارل ماركس”. (ص: 172).

غير أن المؤلِّف اعتمد تقنية أخرى في سبيل خلق التشويق وجذب المتلقي، وتجسير المسافة بينه وبين التجربة التي يطالعها في الكتاب، من خلال توظيف معطى الإفضاء بالخاص والحميمي وحتى التخييلي الفانتازي، مما قد يعتبر من “الأسرار” أو من “النوايا” و”الهواجس” الخاصة، وفي ذلك انزياح بالأدب الرحلي إلى ضرب من البوح والتعبير عن خبايا الذات وخفايا الأفكار والأحداث، وهو ما يجعل الرحلة بهذا المعنى جزءا أصيلا من المفهوم الواسع للسيرة الذاتية، وتمتح منها العديد من التقنيات والآليات في التعبير وصيغ الكتابة، كما يعطيها بعدا شعريا واضحا بالانزياح عن “المألوف الواقعي” لسير منطق السرد، ومن ذلك، نطالع ما يلي: “فجأة تذكرت السيد أنطونيو، بطل رائعة شكسبير ’تاجر البندقية’، بحثت عنه في كل الأزقة، وتفرست في كل وجوه الراكبين للزوارق، أو الملتقطين للصور هنا وهناك، سألت عنه بائع المثلجات، ونادلي المقاهي، سألت التجار، لكني لم أقف له على أثر، ولم أعثر  له على خبر، أيكون تحت جسر من جسورها الأربعمائة، أتراه غرق في نهر من أنهارها، أو لعله استقلّ سفينة حملته إلى بلاد بعيدة؟”. (ص: 198).

  • توظيف مقاربة “المرآة”:

من المؤكد أن رحلة “في مناكبها: ما وراء بحر الروم” قد قدمت صورة هوية متماسكة راسخة في أسسها، ومنفتحة في الآن نفسه على الغير، مفيدة منه، ومتطلعة إلى بعض منجزاته وخصائص حضارته، دون التنازل عن خصوصيات الذاتية ومرتكزاتها. إن الاعتزاز بمقومات الذات وحضور الرؤية الخاصة التي تقف على أرضية صلبة جعلت حاسة النقد لدى المؤلف مشحوذة، وحَدَّتْ بشكل كبير من سلطة الإعجاب والانبهار المتوقعة جراء التفاوت الحضاري الكبير بين بلد الانتماء وبلدان الرحلة، خاصة على المستوى المادي، ولذلك برزت النبرة الانتقادية اليقظة إزاء كل تخوف من سطوة “نموذج البريق الخارجي” الذي تصطدم به العين المكتشِفَة، هكذا تحضر فرنسا البريق والمنجز الحضاري المادي موازاة مع فرنسا الجرائم والانحطاط الأخلاقي في الذاكرة، يقول السارد: “توسعت رقعة البؤس، التي نشرتها القوة والغطرسة الفرنسية في دول كثيرة، وتدخلت فرنسا عسكريا لتمنع دولا من التحرر والانعتاق، وتورطت في أعمال قذرة كثيرة” (ص: 23).

كما وظف المؤلف مجموعة من التقنيات التي عبر بها عن تلك اليقظة الهوياتية والحس النقدي المشحوذ، مثل التعليق والتعقيب، حيث يورد مثلا تعقيبا مباشرا على فلوبير إثر إيراده قولة له: “قال:’من لا يزور باريز بانتظام لا يمكن أن يكون أنيقا حقا’. ربما كانت في زمانه رمزا للأناقة، لكني عرفتُ أناسا أنيقين جدا، لا يعرفون أين تقع باريز في خريطة العالم” (ص: 33). ومن جملة التقنيات كذلك، توظيف التلميح والإشارات الخفية التي تحمل نقدا مبطنا، عبر اعتماد تقنية المرآة، حيث يستغل الكاتب العديد من المشاهد والأحداث التي عاشها في رحلته كي يوجِّه انتقادات متنوعة الأشكال لبلدان الرحلة أو بلد الأصل والانتماء، في لعبة مرآوية تعتمد المقارنة الضمنية وتستند إلى توظيف حجم المفارقة لخلق نوع من التشويق والسخرية السوداء. هكذا يتم يتوجه النقد بشكل مباشر مثلا: “في إسبانيا يمكن لأي طفل يرغب في مزاولة كرة القدم أن يجد في حيه ملعبا معشوشبا، حتى لو كانت المدينة صغيرة جدا. أما نحن فلم تترك مافيا الإسمنت والحديد مجالا لأي مساحة خضراء، ولا لأي مرفق ترفيهي، وإلى الله المشتكى” (ص: 97). أو يتم توجيه سهام النقد المبطن، كما يأتي: “إنهم لا يطلقون أسماء رؤساء الجمهوريات على أي شارع ولا أي معلمة إلا بعد وفاتهم، ربما تحسبا من أن يصدر من الرئيس إبان ولايته ما يسيء إلى قيم الجمهورية، وبالتالي لا يستحق أن يخلد اسمه” (ص: 35). بينما يتم في بعض الأحيان، توجيه النقد المزدوج الذي ينتقد الصورة الأصلية وينتقد انعكاسها في مرآة الآخر أيضا: “وفي تلك الخمارة لوحة مثبتة كتب فيها: ’هنا اختُطِفَ مهدي بن بركة، زعيم المعارضة المغربية، ومناضل العالم الثالث يوم 29 أكتوبر 1965’. ولا ندري هل كُتبَتْ تدوينا للتاريخ أم رفعا للعَتَب؟” (ص: 35).

  • على سبيل الختم:

كتب لحسن شعيب رحلته “في مناكبها: ما وراء بحر الروم” بلغة جزلة سليمة ومتماسكة الأسلوب، تتميز بانتقاء لفظي يقظ، وعبارات مسترسلة بلا تكلف ولا تقعّر، تعتمد تارة على الوصف، بغية عرض بعض الصور والمشاهد الساحرة مما رآه أثناء رحلته، وتارة على الاستطراد الحكائي، حيث تتضمن الرحلة حكايات متناسلةـ تتحرك جيئة وذهابا في الزمن، وهي حكايات جزئية تسهم في البناء العام لأجواء الحكاية ودلالة نصها العام.

كما أن من السمات الظاهرة للكتابة الرحلية عند لحسن شعيب اعتمادها على سمة السخرية، سواء في التقاط المفارقات والمتناقضات، خاصة عند المقارنة، أو عن طريق توظيف السخرية المرة، الناتجة عن الهوة الشاسعة عند مقارنة واقع بلد الانتماء بواقع بلدان الرحلة، يقول الكاتب: “ولست عزيزي القارئ بحجة لتقارن هذا بمواعيدنا، حين يقول لك أحدهم: نلتقي مساءً، أو بعد العصر، لأن الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل هي أيضا بعد العصر. لكن هذا أفضل على كل حال من المواعيد في موريتانيا، فقد أخبرني صديق أنه كان يحضر مؤتمرا علميا في نواكشوط، وكانت أشغاله ستبدأ الساعة التاسعة صباحا كما هو في البرنامج المسطر والمرسل إلى المؤتمرين، لكن أشغال المؤتمر لم تبدأ إلا بعد صلاة العشاء” (ص: 213).

وقد أسهمت تلك السخرية بشكل واضح في تغليف حجم النقد الكبير للذات وللآخر الذي انصبغت به الرحلة، إذ كانت العين الراصدة، عادلة في توزيع النقد بين الأنا والآخر، فاضحة ازدواجية معايير الغرب وتناقضاته، وكاشفة في الآن نفسه حجم التخلف السياسي والاقتصادي الذي ترزح فيه بلدان العالم الثالث.

إن الكتابة الرحلية عند لحسن شعيب، ليست مجرد تسلية وجدانية واستجابة للشغف المعرفي المتطلع إلى كشف المجهول مما وراء البحار، ولكن أيضا شحذ حواس النقد والمقارنة والتفكير في معضلة القيم والتنمية وأسئلة الهوية وإشكالات المثاقفة والعلاقة مع الآخر المختلف، إن المتعة لا تنفك عن الفائدة، والفائدة لا تنفصل عن الاعتبار العميق البعيد المدى. إنه نص أدبي، استحق عن جدارة الانتماء إلى حوزة الأدب الرِّحلي المعاصر، وشكل دخولا واثقا ومُثْرِيًا لعوالم السرد الرِّحلي المغربي والعربي.

 

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

آخر المقالات