728 x 90

الأدب المقارن والترجمة، بين الغاية والوسيلة بحث في المشترك المغاربي الفرنسي

الأدب المقارن والترجمة، بين الغاية والوسيلة  بحث في المشترك المغاربي الفرنسي

الأدب المقارن والترجمة، بين الغاية والوسيلة

بحث في المشترك المغاربي الفرنسي

-البعد الإنساني أنموذجا –

يوسف العمراوي

توطئة:

إذا كنا نتفق – منذ البداية – على أن الأدب المقارن منذ ظهوره في فرنسا على وجه الخصوص شكل مرحلة جديدة في الأدب العالمي، فإن التطور التدريجي الذي أخد يشهده هذا الفن من خلال مدارسه المتعددة ومناهجه المختلفة قد أتاح له توسيع دراساته عبر ميادين متنوعة، كالمعرفة والفلسفة والاعتقاد، والتاريخ والسياسة والاقتصاد، فأصبح في حاجة ماسة إلى وسيلة وأداة لتحقيق غاياته والتي تتمثل أساساً في تحديد الصلات بين الأدب والحقول المعرفية الأخرى، وكذا التمييز بين ما هو محلي وما هو مشترك إنساني، علاوة على إسهامه في تخليص الشعوب من النزعة النرجسية في مجال الآداب القومية المختلفة، ولذلك فقد التمس من علم الترجمة المساعدة رغبة في تحقيق المرامي التي خططها. فكيف ساهمت الترجمة كوسيلة لبلوغ مقاصد الأدب المقارن؟ وما أوجه الاتفاق والاختلاف بين الأدب المغاربي من جهة؟ وما علاقته بالأدب الفرنسي؟

أقر في بداية الأمر أني سأسعى من خلال هذه السطور إلى بسط ما ذكره عدد من الباحثين في هذا الشأن، محاولا التركيز على إسهام الترجمة في توسيع دائرة التلاقح الأدبي بين الأمم والشعوب، باحثا عن المشترك في الأدب المغاربي الفرنسي. ولكن قبل كل ذلك وجب الوقوف عند بعض المصطلحات المفاتيح ولو بشكل موجز.

1- المصطلحات المفاتيح:

الأدب المقارن: تؤكد أغلب الدراسات التي أنجزت في هذا الشأن أن الأدب المقارن تنازعته تعاريف شتى ولم يتم الإقرار على تعريف موحد، رغم ممارسته لأزيد من قرن من الزمن، ولذلك فهو لا يتوفر إلى حدود الآن على تحديد بسيط ونهائي. ولكن هذا لا يمنع من إعطائه تعريفا عاما لا ينقص من التعريفات الأخرى، وهكذا يكون الأدب المقارن هو دراسة الأدب خلف حدود بلد ما، كما أنه مقارنة لمناطق من التعبير الإنساني ويعتبر “فان تيجم” في نظر أغلب الدارسين أّول من أطلق عليه هذه التسمية ففي المعنى المعجمي “هو المقارنة بين آداب أو أدباء مجموعة لغوية واحدة أو مجموعات لغوية مختلفة من خلال دراسة التأثيرات الأدبية التي تتعدى الحدود اللّغوية والجنسية والسياسية كالمدرسة الرومانتيكية في آداب مختلفة”[1].

        الترجمة: إن ما قيل عن مفهوم الأدب المقارن، من حيث كثرة التعاريف وتشعبها، وذلك باختلاف المدارس والمناهج التي اهتمت به، أمر ينطبق تماما على الترجمة، فمن المؤكد أنها عُرفت منذ العصور التاريخية العربية القديمة، خاصة مع ابن المقفع والجاحظ وأبو حيان التوحيدي وغيرهم، وإن بدون قواعد تضبطها ولا قوانين تحكمها، وإلى زمن قريب تضاربت الآراء حول إقرار تحديد نهائي لهذا المفهوم دون أن يحسموا في ذلك، وتعود كثرة التعاريف إلى أسباب مختلفة منها ارتباط الترجمة بميادين متنوعة ومنها الأدب والسياسة والعلم والفلسفة، ويمكن أن أذكر هنا تعريفا للكاتب “جيريمي مندي”، يقول فيه: ” أما مصطلح الترجمة فله دلالات عديدة …وتستلزم عملية الترجمة بين لغتين مكتوبتين مختلفتين أن يقوم المترجم بتحويل نص أصلي مكتوب باللغة اللفظية الأصلية، إلى نص مكتوب بلغة لفظية مختلفة.[2]” كما أنها تتوزع إلى أصناف عديدة، يجملها ياكبسون في مقالته الرائدة في هذا الباب” حول الجوانب اللغوية للترجمة” في:

  • الترجمة اللغوية الضمنية، أو إعادة الصياغة: وهي تفسير علامات لفظية بعلامات أخرى موجودة في اللغة ذاتها.
  • الترجمة اللغوية البينية: وهي الترجمة بمعناها الضيق، حيث يتم تفسير علامات لفظية بلغة أخرى.
  • الترجمة السيميائية البينية، أو التبادل الوظيفي: وهي تفسير علامات لفظية بعلامات أخرى تعود لنظم علامات غير لفظية[3].

       المشترك: لا يمنع اختلاف اللغة والثقافة والحدود الجغرافية وغيرها من العناصر التي تكون الهوية الإنسانية، من وجود نقط اشتراك بين الأمم والحضارات، على مستوى الأدب والعلم وباقي المجالات، لذلك فإن البحث في المشترك المغاربي من جهة وعلاقته بالفرنسي من جهة أخرى يستدعي منا الكشف عما أنتج من آداب في هذه الأقطار ومقارنتها ببعضها، ولولا الترجمة لما استطعنا الوصول إلى هذا الصلات المشتركة بين القطر المغاربي والفرنسي.

2- الأدب المقارن والترجمة، بين الغاية والوسيلة

من البديهي أن تكون الترجمة من أكبر البوابات التي تعبر منها العلوم والمعارف والثقافات من لغة إلى أخرى، ومن منطقة جغرافية إلى أخرى[4]، وكذلك كان مع الأدب المقارن، فقد اتخذ من الترجمة منذ ظهوره على يد الكاتب الفرنسي (أبل فرانسوا فيمانAbel-Francois Villemain ) عام 1828[5]، أداة للبحث عن خيوط الصلة بين آداب وثقافات الشعوب، وهنا سأقف أولا مع المشترك في الكتابات الأدبية المقارنة المغاربية، قبل أن أبحث عن صلتها بالكتابات الغربية والفرنسية على وجه الخصوص.

  • المشترك في الكتابات الأدبية المقارنة المغاربية

لم يكن الأدب المغاربي بمعزل عن اللغة والثقافة والسياسة والتاريخ والجغرافيا… وبالعودة إلى مرحلة الاستعمار الغربي وما بعدها، فإننا نجد الأدب المغاربي قد بات يحاكي الأدب العالمي وذلك لغنى مضمونه وتنوع لغاته بين العربية والأمازيغية والفرنسية على وجه الخصوص. رغم أن العربية (اللغة الأم) تبقى الأقوى حضورا من بين كل لغات الأدب المغاربي المكتوب. ويعود السبب في ذلك من وجهة نظري إلى أمرين أساسين؛ أولهما أن الكتابة باللغة العربية، يساهم في توسيع دائرة القراء على مستوى الحدود الجغرافية للأقطار المغاربية، كما أنه في الوقت نفسه اعتزاز باللغة الأم وما يمكن أن تعبر عنه من مشاعر الفرح والقرح التي قد يشترك فيها الإنسان المغاربي، وثانيهما أن التعبير باللغة العربية عن الهموم المشتركة التي تجمع البلدان المغاربية يزيد من قيمة هذا المضمون. وهكذا تولد الاهتمام بالأدب المغاربي، وبالتالي البحث عن الصلات المشتركة بين الآداب المغاربية، دون أن ننسى نقط الاختلاف والتي لا تنقص من قيمة هذا المشترك، بل تزيده قوة وغنى. وهذا الغنى في الأدب المغاربي يتمثل كما يقول الريحاني ” في التوزيع الجغرافي لهذا الأدب الذي صارت بموجبه تونس عاصمة للشعر في المغرب العربي، والجزائر عاصمة للرواية، في حين صار المغرب عاصمة للقصة القصيرة والقصة القصيرة جدا[6]“.

  • الأدب المقارن: المشترك المغاربي الفرنسي، البعد الإنساني أنموذجا

لطالما شكلت الدراسات المقارنة تحديا أماما الباحثين في هذا المجال، وذلك بفعل ما تسعى إليه من صلة الوصل بين مختلف الثقافات والحضارات، فإن الأدب باعتباره جزء من هذه الدراسات قد حظي بالاهتمام الأوفر؛ حيث دعا الباحثون إلى جعل الأدب المقارن نافذة نطل من خلالها على ما أنتج في كل الأقطار الكونية، ومحاولة البحث عن نقط التشارك والاختلاف رغبة في الانتقال مما هو محلي قومي إلى ما هو إنساني مشترك.

وقد برزت في الساحة الأدبية تلك العلاقة الجدلية بين الأدب العربي ونظيره الغربي، فكثيرا ما نطالع في المكتبات العربية مؤلفات وإبداعات عربية كتب بلغة أجنبية، خاصة الفرنسية والانجليزية منها، وفي هذا السياق ظهر من النقاد من يناصر هذا المنهج، ومن يخالفه في نفس الوقت، ولا يسع -هنا – المجال لذكر الحجج التي ارتكز عليها كل طرف.

وارتباطا بالموضوع، أحب أن أقف مع روايتين من أشهر ما ألف في فرنسا والمغرب، أما الأولى فهي رواية ” البؤساء” المترجمة للكاتب الفرنسي فيكتور هوجو، والثانية فهي رواية ” الخبز الحافي” للكاتب المغربي محمد شكري، وذلك من أجل أن استقصي بعض الصلات التي تجمع الروايتين من خلال بعدهما الإنساني.

صحيح أن بين الروايتين أكثر من قرن من الزمن، ولكن هذا لا يمنع من رصد خيوط البعد الإنساني داخل الروايتين؛ فإذا كان فيكتور هوجو في مؤلفه قد قدم لنا مساحة من أحداث مأساوية شهدتها فرنسا في مرحلة الثورة وما بعدها، والتي تتجلى في الفقر والبؤس والاستبداد والاضطهاد والظلم الذي كان يعيشه المواطن الفرنسي الريفي، وما صاحب ذلك من تردي للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بسبب ظهور الطبقة البورجوازية، كل ذلك أدى إلى تفشي الجرائم كالنهب والسرقة، وبالتالي دخول السجن… إلى غير ذلك من الأحداث التي يصعب الإحاطة بها، ولكن نظرة عميقة في الرواية تكشف عن بعدها الإنساني بكل تجلياته، فالتناقضات المجتمعية وما رافقها من مشاعر الألم والحب والظلم كلها ساهمت في تقديم صورة عن الإنسان الفرنسي في تلك المرحلة.

أما محمد شكري، فأحداث روايته لا تبعد إنسانيا عما جاء في البؤساء، فرغم تباعد الزمان والمكان وحتى الشخصيات وأحيانا طريقة السرد، فإن هذا لا يمنع من كشف خيوط الصلة بين الروايتين، فكما ذكرنا مع هوجو، فإن شكري قد سافر بنا عبر” الخبز الحافي” إلى عوالم خفية يسودها الظلام وتعتريها المعاناة، فقد صور لنا مجتمعا مغربيا في فترة الاستعمار الاسباني لشمال المغرب وما بعدها، وما شهده من أحداث يلفها الأسى من كل الجوانب، فشخصيات الرواية تعبر عن ذلك التناقض الحاصل بين الأسرة الواحدة، وبالتالي التفكك الأسري وما ينتج عنه من فقر وإقصاء وتهميش، علاوة على ذلك فإن شكري كشف المستور من خلال رصد تلك العلاقة السلطوية والعنيفة بين الرجل والمرأة .

هكذا يبدو لي من خلال هذه القراءة أن صلة جمعت بين الرواية الفرنسية ونظيرتها المغربية يمكن تسميتها بالبعد الإنساني وتجلياته، ولم أكن لأصل إلى كشف هذا البعد وأبعاد أخرى عالجتها الروايتين لولا منهج الأدب المقارن أولا والترجمة ثانيا، وبذلك أخلص إلى قيمة الأدب المقارن في الانتقال بنا من أدب محلي قومي إلى ما هو عالمي مشترك يجمع بين بني الإنسان.

الهوامش:

  1. الأدب المقارن النشأة والتطور، مقال للباحثة مليكة فريحي، فإن تبجم عالم فرنسي هو أول من قدم تعريفا للأدب المقارنة في كتابة الموجز عنه، صدرت طبعته الأولى في باريس سنة 1931.
  2. الأدب العام المقارن، دانييل هنري باجو، ترجمة غسان السيد، اتحاد كتاب العرب، 1997 ص13، بتصرف.
  3. مدخل إلى دراسات الترجمة، جيريمي مندي، ترجمة هشام علي جواد، منشورات أبو ظبي للثقافة والتراث، ط1، 2010.
  4. حول الجوانب اللغوية للترجمة، رومان ياكوبسون.
  5. البؤساء، فيكتور هوجو، راجع النص العربي وأضاف متمماته الدكتور سليم خليل قهوجي
  6. الخبز الحافي، محمد شكري، الطبعة الثامنة 2005
  7. الأدب المغاربي: الهوية والوظيفة والجدوى، مقال للباحث محمد سعيد الريحاني

 

[1] –  نقلا عن مليكة فريحي، الأدب المقارن النشأة والتطور، فإن تبجم عالم فرنسي هو أول من قدم تعريفا للأدب المقارنة في كتابة الموجز عنه، صدرت طبعته الأولى في باريس سنة 1931.

[2] – جيريمي مندي مدخل إلى دراسات الترجمة، ترجمة هشام علي جواد، منشورات أبوظبي للثقافة والتراث، ط1، 2010.

[3] – رومان ياكبسون حول الجوانب اللغوية للترجمة.

[4] – قضايا المصطلح في الآداب والعلوم الإنسانية، الجزء الثاني، عز الدين البوشيخي ومحمد الوادي، مقال عبد الرحيم الرحموني تحت عنوان من قضايا ترجمة المصطلح الأدبي.

[5] – الادب العام المقارن، دانييل هنري باجو، ترجمة غسان السيد، اتحاد كتاب العرب، 1997 ص13، بتصرف.

[6] –  محمد سعيد الريحاني، مقال الأدب المغاربي: الهوية والوظيفة والجدوى

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

آخر المقالات