728 x 90

التكامل المعرفي في الإشهار د: عبدالله شكربة[1]

التكامل المعرفي في الإشهار    د: عبدالله شكربة[1]

التكامل المعرفي في الإشهار

د: عبدالله شكربة[1]

 

مقدمة:

التكامل المعرفي في الإشهار مقالة علمية نروم من خلالها فهم الكيفية التي تشتغل فيها العلوم مع بعضها البعض في العملية الإشهارية. لقد كان الباعث في اختيار هذا الموضوع  ( الإشهار) متنا لدارسة تكامل المعرفة هو احتكاكي بالموضوع كثيرا في بحث الدكتوراه، حيث اشتغلت على القيمة التواصلية للغة العربية في الإشهار، وقد قاربت الموضوع من نواحي متعددة؛ بلاغية، لسانيات اجتماعية، وحجاجية تداولية، وسيميائية، وتواصلية، ونظرية التلقي.

وقد مكنتني هذه الدراسة من فهم التقاطعات المعرفية التي  تنجمع في الإشهار، باعتباره مادة علمية منفتحة على مختلف العلوم، وقادرة على استيعابها.

إن الاشهار نشاط إبداعي له نظرياته وآلياته الخاصة، التي لا تقتصر على تخصص بعينه، بل يحرك الاشهاري كل إمكانياته وآلياته التي تساعده في صناعة وصلة إشهارية ناجحة.

إن الاشهار يخاطب متلقي يعيش في بيئة تتداخل فيها المجالات المعرفية وتتقاطع، إنه يخاطب متلقي يعيش وضعية اجتماعية معينة في مكان مخصوص، وزمان معلوم، وبيئة اقتصادية وسياسية وثقافية محددة. ومن تمة فإن الاقتصار على مجال معرفي وحده، مهما بلغ من الدقة والعلمية والموضوعية غير كاف لفهم سلوك المتلقي الاستهلاكي.

تبحث هذه المقالة إذن في المعرفة الاشهارية، ومصادرها العلمية؛ وذلك من خلال محورين أساسين؛ نخصص الأول للحديث عن  تعريف الإشهار وما يرتبط به من كلمات تترادف معه كالإعلان والدعاية، بينما يناقش الثاني تجليات التكامل المعرفي في الإشهار.

 

1 . تعريف الإشهار:

يكتسي الإشهار أهمية كبيرة في حياتنا المعاصرة، ذلك أن له حضور بارز في الحياة الاقتصادية والتواصلية والإعلامية والدعائية. ولذلك فقد تدارس المفهوم باحثون كثر، كل من زاوية تخصصه، ذلك أن الإشهار علم وفن تتداخل وتتقاطع معه علوم وتخصصات معرفية كثيرة. وحري بعلم هذه خاصيته أن تكثر تعاريفه وحدوده.

الإشهار باعتباره عملية تشهيرية وترويجية يتقاطع أو يترادف مع مصطلح الإعلان والدعاية، وقد بينا في موضع آخر[2]  حدود الصلة بين المصطلحات الثلاثة، حيث توصلنا الى أن الإشهار والإعلان مرادفين لبعضهما، حيث يكثر توظيف الأول عند المغاربة ويستعمل الثاني عند المشارقة. أما الدعاية فتركز أساسا على نشر الأفكار وصناعة الآراء.

يرتبط الإشهار في اللغة بالإظهار، نقول ” شهر فلان سيفه يشهره شهرا أي سله (…) و في حديث بن الزبير من شهر سيفه تم وضعه فدمه هدر (…) و في الحديث ليس منا من شهر علينا السلاح”.[3]

وتدل  الكلمة الفرنسية(publicité ) على نفس المعنى ” إظهار مزايا شخص أو شيء”[4] و كانت قبل الاصطلاح عليها بهذا التعريف من طرف إميل جيرارد.emil girerdin.[5] في أواخر القرن الثامن عشر تطلق “على كل كاتب سياسي له معرفة بالقانون”.[6]

نوظف مصطلح الإشهار في هذا البحث بالحمولة الدلالية التي تتجاوز الخدمة التجارية، إلى دلالة أعم تشمل التجارة والأفكار والقيم. وهو نفس المعنى الذي ذهب إليه كل من الباحث والكاتب المغربي سعيد بنكراد، الذي عرفه بكونه خدمة، هذه الخدمة عامة فهي ليست حكرا على أصحاب الأعمال و التجارة بل حتى السياسيين والرياضيين يستفيدون من هذه الخدمة يقول ” إنه خدمة مؤدى عنها يقوم بموجبها الإشهاري بتحديد استراتيجية المؤسسات ويساعدها على اكتساح الأسواق أو يقوم بصناعة “لوك” النجوم والسياسيين والرياضيين”[7]

أما الباحث الأمريكي س.اس فقد اعتبره وسيلة من وسائل التواصل، يقول ” الإشهار وسيلة تواصل تسعى إما إلى تيسير نشر بعض الأفكار و إما إلى تيسير علاقات ذات طبيعة اقتصادية بين بعض الناس الذين يتوفرون على بضاعة أو خدمة يمكن تقديمها لأناس آخرين يمكن أن يستخدموا هذه البضاعة أو هذه الخدمة”[8].

يركز  أحمد عيساوي  على وظيفة الاشهار الضمنية المتمثلة في الإغراء، حيث يصبغ على الإغراء قيمة الفنية ” فهو فن إغراء الأفراد والجماعات من جمهور المستقبلين الحقيقيين والمرتقبين على انتهاج السلوك الاستهلاكي والثقافي وفق طريقة الحملة المعلنة”.[9] و يعود عيساوي بعد استقرائه لمجموعة من التعاريف الغربية للإعلان بتعريفه ” علم وفن التقديم المغري والمؤثر للسلعة أو الخدمة أو الفكرة أو التسهيلات في جمهور المستقبلين بوسائل الإعلان المختلفة لسلوك الطريق الاستهلاكي الذي يرضى عنه المعلن والمنتج معا، مقابل أجر مدفوع تبدو فيه صفة المعلن”[10]. فرغم تركيز عيساوي على الوظيفة الاغرائية للعملية الاشهارية، إلا أنه يجمع بين الخدمة التجارية ونشر الأفكار.

مما سبق يتبين أن هذه التعاريف و إن اختلفت في التسمية ( خدمة/وسيلة/عملية تواصلية ) فإنها تلتقي في :

– عملية تستهدف إقناع الجمهور قصد الشراء.

– عملية شاملة للسلع و الأفكار ( إشهار و دعاية )

– عملية تتم بواسطة وسائل وكالة إشهارية ووسائل الاتصال.[11]

2 . تجليات التكامل المعرفي في الإشهار

2 . 1 الإشهار نشاط اقتصادي:

درس مفهوم الاقتصاد دارسون كثر، وبرؤى مختلفة؛ فقد تم تعريفه بناء على الرفاهية، هو” العلم الذي یدرس الرفاهیة الاقتصادیة ” [12] أو التركيز على الثروة وكيفية الوصول إليها، كما نلمس عند آدم سمیث في كتابه الشهیر ثروة الأمم ” العلم الذي یدرس الكیفیة التي تمكن  الأمة من الحصول على الثروة ووسائل تنميتها”[13]. أو يتم تعريفه بناء على قدرته التدبيرية للمواد والسلع الاقتصادية تدبيرا يستحضر حاجات الحاضر والمستقبل “العلم الذي یهتم بدراسة الكیفیة التي یختار بها الأفراد والمجتمع الطریقة التي یستخدمون بها السلع لغرض الاستهلاك في الحاضر والمستقبل”[14]. أو يتم التركيز على المشكلة الاقتصادية كالندرة والتوفيق بين الإمكانات والحاجات “فالاقتصاد هو ذلك العلم الذي یبحث في الطرق التي تمكن المجتمع في حل مشاكله الاقتصادیة، ففهم طبیعة هذه الأخیرة وطرق حلها هو موضوع الدراسة الاقتصادیة من معناها الواسع[15]“. من هذا كله يمكن القول أن العملية  الاقتصادية مقترنة بالموارد سواء كانت بشرية أو طبيعية أو تقنية أو تنظيمية؛ لذلك فإن علم الاقتصاد يرتبط بالمفاهيم الاقتصادية كالثروة والمشكلة الاقتصادية كالندرة، ووسائل الانتاج والتضخم، والقيمة… وغيرها من المفاهيم.

ما يهمنا أكثر في هذه الدراسة هو  العلاقة الصريحة أو الضمنية بين الاقتصاد كنشاط، وكعلم أيضا، والإشهار.

تعتبر الثروة من المفاهيم الأساسية في علم الاقتصاد، وقد قسمها الاقتصاديون الى نوعين؛ يرتبط النوع الأول بكل ما هو مادي سواء كان موردا طبيعيا، أو بشريا أو خدمات…الخ، بينما يركز الثاني على ما يصطلح عليه بالرأسمال اللامادي، أو الثقافة التنموية. فما موقع العملية الاشهارية ضمن مفهوم الثروة؟ هل العملية الاشهارية موردا اقتصاديا؟ أم وسيلة تواصل بين أطراف العملية الاقتصادية؟

يتجلى المنحى الاقتصادي في العملية الاشهارية من خلال ما يلي:

1 . العملية الاشهارية مورد اقتصادي يذر مداخيل مادية مهمة تسد حاجيات المؤسسة المعنية أو بعض حاجياتها، كوسائل الإعلام وغيرها. فالإشهار مورد اقتصادي، مثله مثل الموارد الطبيعية والبشرية، ويتم التعامل معه على هذا الأساس، لذلك فإن الكثير من المؤسسات التي تعتمده موردا ماليا ضمن باقي مواردها،  تخصص قسما خاصا بالتسويق والتواصل، هدفه جلب المستشهرين. ومن الأمثلة على ذلك وسائل الإعلام المختلفة البصرية، والسمعية، والورقية والالكترونية، فالمؤسسة الناجحة إعلاميا هي التي تستطيع أن تلبي حاجياتها المالية أو جلها من الإشهار. وبالمقابل فإن المؤسسات التي فشلت في الاستشهار كان مصيرها التوقف. لقد غدا الإشهار موردا اقتصاديا مهما يذر أموالا كبيرة، ويكفينا نموذجا ما تعيشه القنوات  والصفحات في الوسائط الاجتماعية خاصة “يوتوب”  من تسابق ولهفة كبيرة وراء حصد أكبر عدد من المشاهدات أو المتابعات، بغض النظر عن طبيعة المعلومة وقيمتها وأهميتها.

2 .العملية الاشهارية  وسيلة تواصلية تساعد المنتج في بيع منتجاته  وتعريف المتلقي بإيجابياتها وفوائدها. ذلك أن الإشهار ومن خلال وكالاته المتخصصة يوصل المعلومة ويقدمها بطريقة مغرية هدفها إقناع المتلقي بعملية الشراء. الإشهار بهذا المعنى لا يبيع المعلومة، وإنما يبيع القدرة والطريقة الجيدة في عرضها. إنه عملية تحفيزية تبحث في الدوافع والكوامن التي تجبر المتلقي على عملية الشراء.

2 . 2 .الاشهار نشاط لغوي:

على الرغم من أن الصورة هي جوهر العملية الاشهارية ، إذ تركز الوصلة الاشهارية كثيرا عليها في إعلاناتها المختلفة، إلا أن اللغة تظل مهمة وضرورية. ويصعب الاستغناء عنها بأي شكل من الأشكال، ذلك أن اللغة تؤدي وظائف مفيدة في العملية التواصلية الاشهارية؛ فهي:

  • شارحة للوصلة الاشهارية والمبهم فيها: لا تقدم كل وصلة اشهارية دعوة صريحة إلى عملية الشراء، وإنما قد تستعين بخلفيات نفسية واجتماعية تبحث في الكوامن الداخلية والمحفزة على عملية الشراء؛ فتكون تلك العبارة اللغوية -التي في الغالب تأتي في نهاية الوصلة- هي الدعاية الصريحة لعملية الشراء.

إن اللغة تساهم في انسجام عناصر الوصلة الاشهارية -المكونة من اللغة والصوت والصورة-  دلاليا وفنيا وجماليا، حيث تتضافر الإمكانيات اللغوية والبصرية لتعبر عن المعنى المراد تبليغه، وخير نموذج على ذلك الوصلة الاشهارية المشهرة لشاي سلطان[16]،  التي نجدها تستغل هذه الخاصية بطريقة محكمة،  وهو ما نبرزه وفق الآتي:

تتكون الوصلة الاشهارية من مجموعة  من اللقطات الأيقونية التي تدور حول الأصالة المغربية في المجال الفني والفلكوري والاجتماعي والثقافي. ما يهمنا في هذه الوصلة هو اللقطة الأخيرة منها، والوقوف على كيفية اشتغال الصورة مع الصوت واللغة في التعبير عن المعنى ( الأصالة المغربية). وبتأملنا لهذه اللقطة نجدها تمت وفق ما يلي:

  • نطق العبارة ” سلطان الأصالة المغربية” بصوت ذكوري ينم عن نوع من الاتزان والنضج.
  • كتابة العبارة ” الأصالة المغربية” بخط عريض يتصاعد من الأسفل الى الأعلى ليستقر أسفل الصورة.
  • صورة كأس شاي يمتلئ تدريجيا، ثم تتحول صورة الكأس الى العلامة التجارية للمنتج( صورة بلون أحمر يعلوها تاج مذهب، ثم العبارة سلطان 1936).

كل هذه الأشياء تَم التعبير عنها في نفس المدة الزمنية، التي لم تتجاوز ست ثواني. فهذه العناصر جميعها تتضافر وتتعاون لتخبر المتلقي أن الشاي الأفضل هو سلطان، لأنه يقترن ويرتبط بالأصالة المغربية، والأصالة قيمة اقتصادية وثقافية واجتماعية تفيد في العملية التسويقية، ذلك أنها قيمة لها اعتبارها في الذهنية المغربية، التي ترتبط وتؤمن بمجموعة من القيم الاجتماعية والثقافية. إن الوصلة الاشهارية لا تركز على قيمة المنتج المادية فحسب، بل تحفز الخلفيات الفكرية والثقافية في الفرد[17]، فبائع سلطان لا يبيع شايا، إنما يبيع أصالة. إن الوصلة الاشهارية أعلاه تستثمر ما سماه بنكراد “بخاصية التطابق بين اللفظ والصورة”[18] والتي تعني أن ألا تخرج الصورة بكل تجلياتها ومدلولها عن الهدف المسطر لها؛ ألا وهو التعريف بجودة المنتج وقيمته التسويقية. إن الغاية من وجود اللفظ هو تدعيم الصورة، والصورة يجب أن توحي باللفظ وتستدعيه”[19].

  • مؤكدة لمعنى ودلالة الصورة: يستغل الاشهاري على مجموعة من التقنيات الفنية في التسويق؛ منها خاصية  التكرار، سواء تكرار نفس المعنى بوصلات إشهارية مختلفة، أو تكرار نفس المعنى من خلال استثمار كل مكونات الوصلة الإعلانية خاصة اللغة، التي تكون وظيفتها الأساسية هي تأكيد المعنى والتصريح به.
  • مفصلة لمحتوى الإعلان: ونلمس هذا المحتوى كثيرا في بعض الوصلات الاشهارية الدعائية التي يحتاج فيها الاشهاري إلى نص لغوي يفصل في الفكرة ويوضحها من مختلف جوانبها، ومن الأمثلة على ذلك الوصلات الدعائية لمحاربة ظاهرة الرشوة بالمغرب[20].

 2 . 3 . الاشهار نشاط حجاجي:

يعد مصطلح الحجاج من المصطلحات الذي أثير حوله الكثير من المداد، نظرا لتشعباته الابستمولوجية، الممتدة معرفيا  إلى البلاغة والخطابة والمنطق. لا نريد أن نتيه مع المصطلح، ولذلك فإننا سنحدد مقصدنا بالحجاج وعلاقته بالإشهار.

تتحاور وتتجاور مجموعة من المصطلحات مع الحجاج كالاختلاف والجدل، والحوار، والخطابة؛ فالاختلاف هو الباعث الأساسي في الحجاج، فلو كانت رؤى الناس للواقع والوجود متطابقة لما كانت هناك حاجة للحجاج. ومادام الأمر كذلك فإن الحاجة إلى الإقناع دفعت العلماء والفلاسفة قديما وحديثا الى دارسة المفهوم  وتعميق النقاش حوله.

يميز بيرلمان في الحجاج بين الجدل والخطابة؛ يرتبط الأول بالبرهان والقدرة الكبيرة على توظيف العقل توظيفا منطقيا، بينما تركز الثانية على العاطفة بواسطة الخطيب العالِم بأحوال وأهواء الناس ورغباتهم وما يؤثر فيهم. ينحو بيرلمان وتيتكا في الحجاج منحى مغايرا ومنتقدا للجدل والخطابة، حيث يركزا في تعريفهما للحجاج على الإقناع والحرية، ومن تمة فإن موضوع الحجاج عند المؤلفين هو ” درس تقنيات الخطاب التي من شأنها أن تؤدي بالأذهان الى التسليم بما يعرض عليها من أطروحات، أو أن تزيد في درجة ذلك التسليم”[21]. غير أنه تسليم مبني على الحرية في الاختيار والاقتناع بدل الاقناع، لأن هذا الأخير يخضع فيه الفرد لسلطة خارجية  تستثمر الخيال والعاطفة بغية الوصول الى النتيجة الهدف، بينما الاقتناع مبني على العقل أساسا؛ يقول المؤلفان عن هذا الأمر “إن الحجاج غير الملزم وغير الاعتباطي هو وحده القمين بأن يحقق الحرية الانسانية من حيث هي ممارسة لاختيار عاقل. فأن تكون الحرية تسليما اضطراريا( إلزاميا) بنظام طبيعي معطى سلفا معناه انعدام كل إمكان للاختيار”[22]،  فالحرية والعقل هما أسسا الحجاج عند بيرلمان وتيتكاه.

ومجمل القول فإن الحجاج هو مجموعة من التقنيات والوسائل المساعدة والدافعة الى الإقناع والتسليم بفكرة، أو الاقتناع بها أكثر، أو نفيها ودحضها.

إن وظيفة العملية الاشهارية الأولى والأساسية هي الإقناع، وحمل المتلقي على فعل الشراء، أو تبني فكرة معينة أو رأيا. الإشهار بهذا المعنى فعل حجاجي لا يقف عند معنى الاختيار والحرية كما دعا اليهما بيرلمان وتيتيكا، بل يستثمر كل إمكانياته للوصول الى الهدف المحدد وهو فعل الشراء. تنبني العملية الحجاجية الاشهارية إذن على ثنائية الإغراء والتحذير الذين تدور حولهما فلسفة الوصلة الاشهارية، سواء كانت العملية الاشهارية بطريقة مباشرة( وهي الطريقة الصريحة التي تدعو إلى شراء منتج معين مركزة على مميزاته) أو غير مباشرة ( وهي طريقة غير صريحة تركز على قيم ثقافية أو اجتماعية أو دينية لها علاقة بالمنتج).

يتخذ الحجاج في الإشهار أشكالا مختلفة، تتجدد وتتطور باستمرار، كالتركيز على الحجج المنطقية، التي لها علاقة بحاجيات الانسان النفسية والفزيزلزجية والامنية والعلائقية، والحجج اللغوية والاسلوبية، وتوظيف الرموز من المشاهير في الرياضة والفن، واستعمال الأغنية الناجحة، والفيلم الاشهاري…الخ.

2 .4 .الاشهار نشاط تداولي:

التداولية علم يهتم بالمعنى في سياقه الاستعمالي، وهي كلمة مترجمة عن pragmatique وتترجم أيضا بالنفعية والذرائعية والمقامية والسياقية والوظيفية، وهناك من اكتفى بتعريب الكلمة فقط فسماها البرجماتية أو البرجماتيك. تهتم التداولية  بالمعنى الاستعمالي ، وهذا يقتضي الإحاطة بالإنتاج اللغوي  والمعرفي، والسياق الذي قيل فيه، بغية الكشف عن المقصدية وأهداف الخطاب، والعلاقة السياقية بين المخاطب والمخاطب، وكل العناصر المنتجة للمعنى.

إن التداولية بهذا المعنى، هي دراسة كيفية للعملية التداولية والاستدلالية في معالجة المحتوى اللغوي، أو هي دراسة تحليلية، وإجابة عملية عن الأسئلة العالقة في اللسانيات البنيوية واللسانيات التوليدية التحويلية، حيث أولت أهمية للسياق، والملاحظة في الاستعمال اللغوي،  والدلالة.

وقد أغنت التداولية المعجم اللساني بمفاهيم جديدة إجرائية  فتحت اللسانيات على خطابات جديدة لا تقتصر على اللغة؛ كالإشاريات، والاستلزام الحواري، والافتراض والأفعال الكلامية والحجاج اللغوي والكفاءة التواصلية، والأفعال اللغوية وغيرها…الخ.

يعتبر  جون أوستين، وسورل وأزفالد ديكرو وهانسون …الخ أبرز رواد المدرسة التداولية. تتمثل مساهمة أوستين في طرحه إشكالية تصنيف بعض الجمل الانشائية، التي لا تقبل تصنيفها بصادقة أو كاذبة. إجابة على هذا الإشكال أقر أن ” كل جملة تامة مستعملة تقابل إنجاز عمل لغوي واحد على الأقل”[23]، كما أنه ميز بين ثلاثة أنواع من العمل اللغوي؛ هما: العمل القولي ( مجرد نطق العبارة يتحقق) والعمل المتضمن في القول( دلالة العبارة)  وعمل التأثير بالقول ( النتيجة التي أفضى إليها القول). بينما طورا كل من سورل وديكرو أفعال الكلام، فركز الأول على العمل المتضمن في القول، واهتم الثاني بالحجاج اللغوي. أما هانسون فقد اهتم بدرجات التداولية التي قسمها الى ثلاث درجات؛ تدرس الأولى التعبيرات المبهمة في سياق استعمالها، بينما تركز الثانية على ارتباط وتطابق الموضوعات بالملفوظ المعبر عنها، أما الأخيرة فتركز على أفعال الكلام.

من هذا كله فإن علم الإشهار  يستفيد من التداولية بالبحث في العلاقات التفاعلية بين النص الاشهاري وصاحبه (منتجه)، وبينه وبين متلقيه من جهة أخرى، مع استحضار العناصر السياقية والمقامية المؤثرة في هذه العلاقات.

2 .5 . الاشهار نشاط نفسي:

إن القيام بفعل الشراء يكون تلبية لحاجات النفس الإنسانية، هذه الحاجيات تكون كامنة في النفس البشرية فيعمل الاشهاري على تحفيز المتلقي “بأن يجد فيه ما يحقق رغباته ويثير نوازعه النفسية، وعادة ما تعرف هذه المثيرات بالدوافع(motivation) وقد حصرها المختصون في أربعة وتتعلق بحاجيات النفس الإنسانية”[24] وهي كالتالي:

حاجيات فيزيولوجية(besoins de physiologiqurs) جوع، عطش غرائز.

حاجيات أمنية ( besoins de scéurité) الحماية ضد الأخطار، تأمين المستقبل

حاجيات علائقية ( besoins de relationnels)الانتماء إلى مجموعات اجتماعية، عقد علاقات صداقة، تبادل المحبة…الخ

حاجيات ذاتية التحقق(  besoins d auta réalisation) الرغبة في التميز،حب التفرد”[25]

ويركز الاشهاري على واحد من الحاجيات المذكورة سابقا وعليه تبنى الحجاج والبرهنة. فهو” الدافع المحوري(laxe mativat ionnel)”[26].  لا يكتفي الاشهار بالتعريف بهذه الحاجيات المختلفة و وإبراز أهميتها للفرد  عبر التركيز على قيمة من قيمها أو فائدة من فوائدها، وإنما يبحث في الخلفيات غير المعلنة والباطنية التي تدفع الى فعل الشراء.

” ومعنى هذا أن مصمم الوصلات الاشهارية لا يقف عند حدود رصد الحاجات الاستهلاكية المباشرة، بل يبحث في “اللاشعور الجماعي” عن الرغبات الدفينة غير المعلن عنها مباشرة من خلال السلوك الفردي، وتحديد طبيعتها وطرق تجلياتها الممكنة، وعلى هذا الأساس فالإشهار ليس إقناعا بالمفهوم المنطقي للكلمة”[27]، ذلك الإقناع المباشر الذي يسلك حججا مباشرة تنطلق من سبب وتريد الوصول الى نتيجة محسومة سلفا. إنه إشهار يسلك نوعا من “الاقناع السري” الخفي  الذي يعطل أدوات المراقبة ويعمل على تحييد حالات الوعي، بغية الدفع بالفرد الى فعل الاستهلاك المتحررة من الضغوط التي تفرضها الرقابة العقلية[28].

 

 

 

 

 

خاتمة:

حاولت هذه الدراسة البسيطة تتبع التكامل المعرفي في الاشهار من خلال التركيز على خمس مجالات يتقاطع معهم الاشهار معرفيا، وهم اللغة والاقتصاد والحجاج والتداولية وعلم النفس. إن هذه المجالات الخمسة ليست الوحيدة التي تتقاطع معرفيا مع علم الاشهار، بل هناك مجالات أخرى لا تقل أهمية عنها كعلم السيميولوجيا ونظريات الاعلام، والتواصل وغيرها.  إن اختيارنا لهذه المجالات جاء من باب التمثيل وليس الحصر، كما أننا ركزنا في عرض هذه الأمثلة على العموميات، تركيزا يرصد الطبيعة التكاملية التي يضطلع بها الاشهار باعتباره علما حديثا أفرزته ظاهرة التخصص.

 

 

المصادر والمراجع:

  • أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري، لسان العرب، المجلد 11، دار صادر بيروت.
  • أحمد عيساوي،(1420 -1992) الإعلام بمنظور إسلامي، كتاب الأمة. قطر . ع. 71
  • سعيد بنكراد، (2006) سيميائيات الصورة الاشهارية الإشهار و التمثلات الثقافية افر يقيا الشرق.
  • سعيد بنكراد و آخرون،(2010) استراتيجيات التواصل الإشهاري ط1 . دار الحوار للنشر و التوزيع.
  • عبدالله صولة، في نظرية الحجاج دراسات وتطبيقات، ط.1 تونس مسكيلاني للنشر والتوزيع، 2011
  • عبدالله شكربة،(2016) القيمة التواصلية للغة العربية في الاشهار، أطروحة دكتوراه بكلية الاداب، القنيطرة

[1]  دكتوراه في اللسانيات العربية

[2]  تطرقنا بتفصيل لدلالة الاشهار وعلاقته بالدعاية والاعلان في الاطروحة التي أعددناها لنيل شهادة الدكتوراه تحت عنوان” القيمة التواصلية للغة العربية في الاشهار” كلية الآداب والعلوم الانسانية. القنيطرة

  لسان العرب،المجلد 5 ،دار صادر مادة شهر. [3]

 محمد رابح،(1999) الخطاب الإشهاري (مقاربة سميائية و سوسيو اقتصادية) ط 1 ص: 37[4]

 المرجع السابق ص: 37[5]

 المرجع السابق، ن، ص.[6]

 سعيد بنكراد و آخرون،(2010) استراتيجيات التواصل الإشهاري ط1،  ص: 6[7]

 نقلا عن المرجع السابق ص: 36[8]

 الدكتور أحمد عساوي،(1999) الإعلان بمنظور إسلامي، ع. 71 ص: 43[9]

 المرجع السابق ص: 45[10]

[11]  عبدالله شكربة، القيمة التواصلية للغة العربية في الاشهار ( أطروحة دطتوراه) بكلية الاداب والعلوم الانسانية القنيطرة، ص: 41

[12]  مدخل لدراسة الاقتصاد ص: 7

[13]  المرجع السابق، ص:7

[14]   المرجع السابق، 7

[15]   المرجع السابق، ص: 8

[16] www.yuetube.com. Abidat Rma Sur Pub Atay Sultan.

[17]  سعيد بنكراد، سيميائيات الصورة الاشهارية الاشهار والتمثلات  الثقافية، ص:9

[18] المرجع السابق، ص: 67

[19]  المرجع السابق، ص:68

[20]  مجموعة من الوصلات الدعائية التي تم بثها في قناة الأولى المغربية  في حملة تحسيسية  ضد الرشوة

[21] عبدالله صولة، في نظرية الحجاج دراسات وتطبيقات، ص: 13

[22]  نقلا عن المرجع السابق: 16

[23]  آن روبول وجاك موشلار(2003)،التداولية اليوم بجث جديد في التواصل، تر: سيف الدين دغفوس ومحمد الشيباني، المنظمة العربية للترجمة، ط1 لبنان.ص: 31

 

 محمد خاين ، النص الإشهاري ماهيته ، انبناؤه و آليات اشتغاله، عالم كتب الحديث، ط 1. 1431- 2010 ص 69[24]

 المرجع السابق، ن، ص[25]

 المرجع السابق، ن، ص[26]

[27]  المرجع السابق، ص:12

[28]  المرجع السابق، ن،  ص

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

آخر المقالات