728 x 90

أم كلثوم تغني من جديد، الدكتور عبدالله شكربة

أم كلثوم تغني من جديد، الدكتور عبدالله شكربة

أم كلثوم تغني من جديد

الممثلون: الناقد، أم كلثوم، زرياب، الدوزي، تامر حسني، صفوان عابد، الحرس الخاص، الجمهور

المشهد الأول

تصعد أم كلثوم إلى المنصة وتبدأ بالغناء، ثم بعد ثوان يصعد الناقد الى الخشبة  وهو يصفق معجبا بغنائها وأدائها.

الناقد:  هائل جميل ورائع، لكن ينقصك اسم فني يا أم كلثوم.

أم كلثوم:  (تبتسم) اسم فني !!! وما علاقة الاسم بالفن؟

الناقد: الفن صارت له مقومات غير ما تعرفين.

أم كلثوم: ما الذي لا أعرفه عن الفن وأنا التي خبرته سنوات، أنا فنانة الجماهير، ومطربة النساء والرجال، أنا من انتظر طلعتي ألوف، وتشوقت للقائي نفوس، ثم تقول لا تعرفين؟؟؟   ألا تخجل من نفسك يا هذا؟ ألمثلي يقال هذا؟؟؟

الناقد:  عذرا يا سيدتي، فالفن صار اسما وحركة وفستانا أيضا.

أم كلثوم: ( تضحك) الاسم لا يصنع الفنان، بل الفن هو من يصنع الاسم، ألم تسمع “من لم ينهض به عمله لم يرفعه نسبه”؟ الفنان بجده واجتهاده واحترامه لذوق جمهوره، يكتب اسمه بمداد من الفن، ويجعل له مكانا ضمن الذاكرة الفنية والذائقة الموسيقية. ثم ما حاجة الفنان الى الحركة؟ هل سيغني بها؟

الناقد: أنت تتحدثين عن عصرك، لا تدرين ما وقع بعدك من تغيرات في الفن والغناء؟

أم كلثوم: نعم قد تتغير المظاهر، ويتأثر الإنسان بالأشكال والقوالب المستحدثة، ولا عيب في ذلك، بل الفنان مطالب بالتجديد والإبداع، لكن يبقى للإنسان جوهر لا يتغير ولا يتبدل مهما تطورت الحضارة وانغمست في العمارة، وأتلفت العبارة.

ثم إن “شيخنا”، العلامة الفهامة  السيد التاريخ يحدثنا عن الإبداع الذي لا يعترف باسم أو لون أو شكل أو مظهر. دعني أفتح لك باب التاريخ وأحدثك عن أبطاله الخالدين. زرياب، زرياب تعال يا زرياب وحدث هذا الناقد الطارئ الدخيل  وأخبره أننا لسنا نكرة في التاريخ والجغرافيا.

زرياب:  أنا الفنان زرياب المغني والمطرب البغدادي نشأة ومولدا، الأندلسي استقرارا وشهرة، أسود البشرة في مجتمع يعطي للون والنسب اعتبارا، صفي الطوية، نقي القلب، مرهف الاحساس.

أسست مدرسة غنائية، وسميتها دار المدنيات، علمت فيها الموسيقى والغناء فلقيت إعجابا وإقبالا ظل راسخا في الأذهان تتناقله الألسن والكتب عبر الأزمان. هل تعرف هويتي؟ هل تعرف قصة لقبي؟ زرياب طائر أسود اللون، عذب الصوت، وكذلك كنت. ولم يمنعني لوني ولا وضعني نسبي. أعلى الغناء مقامي وأعليت مقامه،  حتى الشعراء تأثروا بغنائي فنظموا جنسا جديدا سموه الموشحات.

أم كلثوم:   هذا من التاريخ البعيد، دعني أسمعك من التاريخ القريب، تعال يا صفوان العابد.

صفوان العابد: يغني  الأبيات الشعرية للعباس بن الأحنف

أَيا لَكِ نَظرَةً أَودَت بِقَلبي

وَغادَرَ سَهمُها جِسمي جَريحا

فَلَيتَ أَميرَتي جادَت بِأُخرى

فَكانَت بَعضَ ما يَنكا القُروحا

فَإِمّا أَن يَكونَ بِها شِفائي

وَإِمّا أَن أَموتَ فَأَستَريحا

 

الناقد:  (بصوت خافت كأنما يحدث نفسه) حتى أنت تفهمين  في التاريخ، إني أبغض التاريخ فهو دائما يهزمني. ( تظهر عليه حالة الغضب.) تبا لك أيها التاريخ. تبا لك. كيف أرد لها الصاع صاعين؟ من أين خرج لي هذا الزرياب؟؟؟

أم كلثوم: ماذا قلت؟

الناقد: لا شيء فقط أفكر بصوت مرتفع.

في عصرنا هذا الصوت والمظهر والاسم صناعة تصنع الفنان، وتجد له مكانا ووضعا في الساحة الفنية، ومن لم يهتم بهم قد يجد نفسه على هامش الفن والمجتمع.

أم كلثوم: الكلمة الرصينة، والعبارة الدقيقة، والفكرة الهادفة، أضف إليها لحنا مناسبا، وموسيقى منسجمة؛ هي عماد الفن وأساسه؟  وها قد مضى على فني ردح من الزمن، ومع ذلك مازال يُردد بالألسن ويستمع إليه، بل الكثير منهم يحن إلى أم كلثوم، يفديني بماله كله مقابل أن يسمع لمقطع واحد من أغنياتي، فهل تنكر ذلك؟

الناقد: أنت لا يتذكرونك إلا كماض جميل، وتراث فني مر عليه الزمن، والإنسان دائما يحن الى الماضي ويعشقه، ويتمنى عودته، لأنه يعلم يقينا أن الماضي لن يعود، ولو عاد لما اهتم به.

أم كلثوم: لقد عاصرني الكثير من المغنين، الذين اهتموا بالشكل دون الجوهر، لكنهم الآن في مقبرة النسيان.

الناقد: الإنسان سجين ماضيه، دائما يحن إليه، لأنه يذكره بأحداث جميلة أو حزينة، يذكره ببطولة يعتز بها، أو مغامرة يتلذذ باسترجاعها، وأنت لا تحضرين إلا في هذا السياق، لا تحضرين إلا كواجهة تذكره بأحداثه وماضيه.

أم كلثوم: أنت فقط تتكلم، تتكلم بلغة الواثق، ولسان الصادق، دون أن تقدم حجة أو دليلا.

الناقد: دليلي سيبهرك.

في هذه اللحظة يدخل الفنان دوزي يبدأ بالغناء.

 

 

المشهد الثاني

الناقد:  ها ما رأيك في دليلي الآن؟ دليلي قاطع، وحجتي دامغة، وكلامي صواب لا يقبل الخطأ، وحجتي في ادعائي أن شباب اليوم لا يستمعون إليك، ومنهم من لا يعرفك، فقط الشيوخ والكبار، ومن عاصروك هم من يسترجعون ماضيهم من خلال أغانيك. انطري إلى تفاعلهم مع مطربهم، انطري الى جوارحهم كيف تتمايل اعجابا وفرحا بالأغنية؟

أم كلثوم: ( تضحك) من عاصروني يجاوروني الآن في قبري، أما الشباب فطبيعي أن يهتموا بعصرهم ويسايروه، وعدم استماعهم لفني وغنائي ليس إعلانا عن رفضه.

الناقد: الأغاني الجديدة تلهب الجماهير، تبحث عن الرغبة الدفينة في أعماق الذاكرة، وتحرك المارد الكامن من سكونه، تخاطب الباطن، تحفز اللاشعور وتدعوه للتعبير عن مشاعره دون خجل أو خوف. تدعوه للانطلاق في عالم الفرجة والمتعة، تدعوه الى نسيان العالم وضجيجه، والحضارة وأعرافها. هذا هو الفن، هذا هو الإبداع، هذا ما يريده الجمهور. إن نجاح الفنان أو فشله مرتبط باستيعاب رغبة جمهوره. ليتك يا سيدتي تحضرين حفلة من حفلات نجم من النجوم. لو حضرت لرأيت عجبا.

أم كلثوم: أي عجب هذا الذي تتحدث عنه؟

يصعد مغني مشهور أو مغنية، يحيط به  رجال الأمن والحرس الخاص، الجماهير تنادي وتصرخ فرحا به ورغبة بلقائه، هناك من يبكي ومن يرغب في التوقيع أو المصافحة.

الناقد: إذا أقبل فنان لإحياء سهرة مع جمهوره، فإنه يجد استقبالا فريدا، وحضورا غفيرا، الشوارع مكتظة، والأمن موزع في كل ناحية من أجل تنظيم عملية العبور، الكل يريد أن يرى محبوبه وفنانه وعشيقه، من فاز بمصافحة مباشرة فذلك اليوم هو بمثابة عيد. لو حضرت يا سيدتي لرأيت الناس سكارى وما هم بسكارى؛ يتمايلون ويترنحون اهتبالا وفرحا بقدوم نجمهم. لماذا يفعلون هذا كله؟ من أجل ماذا؟ ماذا فعل لهم حتى صاروا يعشقونه هذا العشق؟ لابد من سبب أليس كذلك يا سيدتي؟

أم كلثوم: بلى. لابد من سبب.

الناقد:  (يبتسم ابتسامة خبيثة، ويتحدث حديث المنتصر المزهو بنصره) وهو لا يبيع لهم بضاعة، ولا يقدم خطبا، إنما يعبر عن مكنوناتهم، ويزيل الحجاب عن رغباتهم، من خلال أغانيه الملهمة.

أم كلثوم: لقد ذكرت شيئا وغيَّبت أشياء، ذكرت اهتبال الناس بالنجوم، ولم تتحدث عن من يصنع النجوم، وما أظنك لا تعرف ذلك، بل غيبته قصدا.

الناقد: وما ذاك الذي غيبته يا سيدتي؟

أم كلثوم:  الإشهار؛ رسول العصر، وقائد النصر،  أليس هو من يصنع النجوم، ويظهرهم للعموم،  ألا يحتكر الإشهار كل شيء، ألا يقدم البضاعة والفكرة بطريقة من يمتلك الحق والحقيقة؟ ألا يطرح المشكلة وحلها، الداء والدواء؟ قل أليس الإشهار موجود في كل مجال؟ في التلفزة والصحيفة والإذاعة والشبكة العنكبوتية، وفي الطرقات أيضا، حتى الهواء الذي نتنفسه ونستنشقه به إشهار؟

الناقد: تقصدين أن الإشهار وحده من يصنع الفنان. لا يا سيدتي فلا فائدة من ضرب الحديد البارد؟

أم كلثوم: ألا يولي فنك الذي تدافع عنه أهمية للمظهر على حساب الصوت والكلمة الهادفة؟

الناقد: الفن المعاصر يولي لكل عنصر في الفن حقه، للكلمة وزنها الذي لا تتعداه، وللصوت والصورة قيمتهما المغيبة في عصركم. يا سيدتي إن المعاني مطروحة في الطريق يعرفها القاصي والداني، وإنما القضية في طريقة السبك وحسن الأداء، وليس الفنان من يتكلم عن الأفكار الكبيرة والمعاني الجليلة، بل الفنان يا سيدتي هو من يقدم لنا فكرة بسيطة أو معروفة، لكن في قالب موسيقي ممتاز، وطريقة تشخيصية تأخذ الألباب.

أم كلثوم:  الفن رسالة يا حبيبي، الكلمة الرصينة والمعنى العظيم قوامه، فمن تشبث بهما فقد تشبث بِأُس صلب لا ينكسر.

الناقد: ذاك فن لا يجد طريقا الى قلب المتلقي، فيرفضه، وحتى إن سمع له لا يلبث أن يلفظه كما يلفظ الإنسان الطعام الفاسد، الشباب متعطش لفن يتسلل الى قلوبهم وأهوائهم كما يتسلل البرد والرياح والهواء.

أم كلثوم: إنما هو نار تبن سرعان ما تشعل  وسرعان ما تخبو،  أما فننا فهو فن لا يتسلل كاللص، يدخل البيوت من أبوابها، أمامه الكلمة يلقيها لجمهور متعطش، وخلفه رسالة؛ بها ومن أجلها يبدع، لا يبحث عن مال أو نجومية زائفة، أو شهرة مصطنعة، بل يعمل من أجل الفن،  بالفن  وللفن يحقق ما يريد، لا تنسى أن الفن رسالة، تذكر ذلك دائما.

إذا أخلصت للفن، فكل شيء سيأتي معه؛ المال والشهرة والنجومية، وفوق ذلك حب لا يشوبه تشويش، فهل بعد هذا الفضل من فضل؟؟؟

الناقد: قد تكون نار فني كما تقولين، لكنها نار تتجدد باستمرار، أصحاب هذا الاتجاه كثر، وهم دائما يسعون وراء الجديد ويطورون أساليبهم بحثا عن التجديد.

أم كلثوم: الكلمة الصادقة الهادفة لا يقهرها الدهر؛ تظل صامدة ثابتة أمام وسائل التعرية المتجددة عبر الزمن. ثم إن الفن أذواق، وذوقي له عشاقه ومحبوه، لا يلتفتون إلى غيره، تأسرهم الكلمة، وتجذبهم العبارة. قد تخبو الكلمة الهادفة أحيانا لكنها لا تموت، دوما تبحث عن عشاق جدد.

و أنتم أيها القراء ما رأيكم؟

 

 

1 تعليق

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

1 التعليق

  • أيوب وحماني
    20/08/2022, 2:18 م

    نص مسرحي جميل بودي لو تم تجسيده

    الرد

آخر المقالات